الـفتوحات المکية طبع الهيئه المصريه العامه للکتاب - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٥٨ - (٢-الصمت)
(٢-الصمت)
(٣٥١-ا)و أما الصمت،فهو أن لا يتكلم مع مخلوق من الوحوش و الحشرات التي لزمته في سياحته،أو في موضع عزلته.و إن ظهر له أحد من الجن أو من الملا الأعلى،فيغمض عينه عنهم،و لا يشغل نفسه بالحديث معهم و إن كلموه.فان تفرض عليه الجواب،أجاب بقدر أداء الفرض، بغير مزيد.و إن لم يتفرض عليه،سكت عنهم،و اشتغل بنفسه.فإنهم إذا رأوه على هذه الحالة اجتنبوه،و لم يتعرضوا له،و احتجبوا عنه.فإنهم قد علموا أنه من شغل مشغولا بالله،عن شغله به،عاقبه اللّٰه أشد عقوبة.
(٣٥١-ب)و أما صمته في نفسه عن حديث نفسه:فلا يحدث نفسه بشيء،مما يرجو تحصيله من اللّٰه،فيما انقطع إليه،فإنه تضييع للوقت فيما ليس بحاصل،فإنه من الأمانى.و إذا عود نفسه بحديث نفسه،حال بينه و بين ذكر اللّٰه في قلبه.فان القلب لا يتسع للحديث و الذكر معا.فيفوته السبب المطلوب منه في عزلته و صمته،و هو ذكر اللّٰه تعالى الذي تتجلى به مرآة قلبه.فيحصل له تجلى ربه.