إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٣ - و من الآداب تقليل العلائق
لا تلم المرء على فعله
و أنت منسوب إلى مثله
من دم شيئا و أتى مثله
فإنما يزرى على عقله
و لسنا نعني بهذا أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعا بالفسق،و لكن يسقط أثره عن القلوب بظهور فسقه للناس،فقد روى عن أنس رضى اللّه عنه،قال قلنا يا رسول اللّه،[١] لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله،و لا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله،فقال صلى اللّه عليه و سلم«بل مروا بالمعروف و إن لم تعملوا به كلّه،و انهوا عن المنكر و إن لم تجتنبوه كلّه» و أوصى بعض السلف بنيه فقال.إن أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر،و ليثق بالثواب من اللّه،فمن وثق بالثواب من اللّه لم يجد مس الأذى،فإذا من آداب الحسبة توطين النفس على الصبر،و لذلك قرن اللّه تعالى الصبر بالأمر بالمعروف،فقال حاكيا عن لقمان يٰا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاٰةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلىٰ مٰا أَصٰابَكَ [١]
و من الآداب تقليل العلائق
،حتى لا يكثر خوفه، و قطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عنه المداهنة،فقد روى عن بعض المشايخ،أنه كان له سنور،و كان يأخذ من قصاب في جواره كل يوم شيئا من الغدد لسنوره،فرأى على القصاب منكرا،فدخل الدار أولا و أخرج السنور،ثم جاء و احتسب على القصاب،فقال له القصاب لا أعطيتك بعد هذا شيئا لسنورك،فقال ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور و قطع الطمع منك،و هو كما قال،فمن لم يقطع الطمع من الخلق لم يقدر على الحسبة،و من طمع في أن تكون قلوب الناس عليه طيبة،و ألسنتهم بالثناء عليه مطلقة،لم تتيسر له الحسبة قال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني،كيف منزلتك بين قومك؟قال حسنة،قال إن التوراة تقول إن الرجل إذا أمر بالمعروف و نهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال أبو مسلم:صدقت التوراة و كذب أبو مسلم
[١] لقمان:١٧.