إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٥ - و عن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو
و إن قلت:أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فو اللّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟قال:لا،قال:
فكيف تصنع بالملك الذي خولك اللّه و ما أنت عليه من ملك الدنيا،و هو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل،و لكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم،و هو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك،و أضمرته جوارحك فما ذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من يدك،و دعاك إلى الحساب،هل يغنى عنك عنده شيء مما كنت فيه،مما شححت عليه من ملك الدنيا،فبكى المنصور بكاء شديدا حتى نحب و ارتفع صوته،ثم قال:يا ليتني لم أخلق و لم أك شيئا،ثم قال كيف احتيالى فيما خولت فيه،و لم أر من الناس إلا خائنا، قال يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام المرشدين،قال و من هم؟قال:العلماء قال:قد فروا منى،قال هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك،و لكن افتح الأبواب،و سهل الحجاب،و انتصر للمظلوم من الظالم،و امنع المظالم،و خذ الشيء مما حل و طاب،و اقسمه بالحق و العدل، و أنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك و رعيتك،فقال المنصور:اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل و جاء المؤذنون فسلموا عليه،و أقيمت الصلاة،فخرج فصلى بهم ثم قال للحرسى،عليك بالرجل إن لم تأتني به لأضربن عنقك،و اغتاظ عليه غيظا شديدا،فخرج الحرسي يطلب الرجل فبينا هو يطوف،فإذا هو بالرجل يصلى في بعض الشعاب،فقعد حتى صلى،ثم قال:
يا ذا الرجل أما تتقى اللّه،قال:بلى،قال:أما تعرفه،قال:بلى،قال:فانطلق معي إلى الأمير،فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك،قال ليس لي إلى ذلك من سبيل،قال:يقتلني قال:لا قال:كيف،قال:تحسن تقرأ؟قال:لا،فأخرج من مزود كان معه رقا مكتوبا فيه شيء،فقال:خذه فاجعله في جيبك،فإن فيه دعاء الفرج،قال:و ما دعاء الفرج؟قال:
لا يرزقه إلا الشهداء،قلت:رحمك اللّه قد أحسنت إلىّ،فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء و ما فضله،قال من دعا به مساء و صباحا هدمت ذنوبه،و دام سروره،و محيت خطاياه و استجيب دعاؤه،و بسط له في رزقه،و أعطى أمله،و أعين على عدوّه،و كتب عند اللّه