إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤١ - الركن الثالث
الركن الثالث
المحتسب عليه
و شرطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكرا،و أقل ما يكفي في ذلك أن يكون إنسانا،و لا يشترط كونه مكلفا،إذ بينا أن الصبي لو شرب الخمر منع منه و احتسب عليه،و إن كان قبل البلوغ،و لا يشترط كونه مميزا،إذ بينا أن المجنون لو كان يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة لوجب منعه منه نعم من الأفعال ما لا يكون منكرا في حق المجنون،كترك الصلاة و الصوم و غيره و لكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل،فإن ذلك أيضا مما يختلف فيه المقيم و المسافر و المريض و الصحيح،و غرضنا الإشارة إلى الصفة التي بها يتهيأ توجه أصل الإنكار عليه لا ما بها يتهيأ للتفاصيل.
فإن قلت فاكتف بكونه حيوانا،و لا تشترط كونه إنسانا،فإن البهيمة لو كانت تفسد زرعا لإنسان،لكنا نمنعها منه كما نمنع المجنون من الزنا و إتيان البهيمة.
فاعلم:أن تسمية ذلك حسبة لا وجه لها،إذ الحسبة عبارة عن المنع عن منكر لحق اللّه صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر،و منع المجنون عن الزنا و إتيان البهيمة لحق اللّه،و كذا منع الصبي عن شرب الخمر، و الإنسان إذا أتلف زرع غيره منع منه لحقين،أحدها:حق اللّه تعالى،فإن فعله معصية،و الثاني:حق المتلف عليه،فهما علتان تنفصل إحداهما عن الأخرى فلو قطع طرف غيره بإذنه فقد وجدت المعصية و سقط حق المجنى عليه بإذنه،فتثبت الحسبة و المنع بإحدى العلتين،و البهيمة إذا أتلفت فقد عدمت المعصية،و لكن يثبت المنع بإحدى العلتين،و لكن فيه دقيقة و هو أنا لسنا نقصد بإخراج البهيمة منع البهيمة،بل حفظ مال المسلم إذ البهيمة لو أكلت ميتة،أو شربت من إناء فيه خمر،أو ماء مشوب بخمر،لم نمنعها منه،بل يجوز إطعام كلاب الصيد الجيف و الميتات،و لكن مال المسلم إذا تعرض للضياع و قدرنا على حفظه بغير تعب،وجب ذلك علينا حفظا للمال،بل لو وقعت جره لإنسان من علو،و تحتها قارورة لغيره،فتدفع الجرة لحفظ القارورة،لا لمنع الجرة من السقوط