إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٢ - و أما حسن الخلق
بيان آداب المحتسب
قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات،و نذكر الآن جملها و مصادرها،فنقول:
جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في المحتسب،العلم،و الورع،و حسن الخلق
أما العلم
،فليعلم مواقع الحسبة و حدودها،و مجاريها و موانعها،ليقتصر على حد الشرع فيه
و الورع:
ليردعه عن مخالفة معلومه،فما كل من علم عمل بعلمه،بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة و زائد على الحد المأذون فيه شرعا،و لكن يحمله عليه غرض من الأغراض و ليكن كلامه و وعظه مقبولا، فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب،و يورث ذلك جراءة عليه
و أما حسن الخلق:
فليتمكن به من اللطف و الرفق،و هو أصل الباب،و أسبابه،و العلم و الورع لا يكفيان فيه،فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم و الورع في قمعه،ما لم يكن في الطبع قبوله بحسن الخلق،و على التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق،و القدرة على ضبط الشهوة،و الغضب،و به يصبر المحتسب على ما أصابه في دين اللّه،و إلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه بشتم،أو ضرب،نسى الحسبة،و غفل عن دين اللّه،و اشتغل بنفسه،بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه و الاسم فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات،و بها تندفع المنكرات،و إن فقدت لم يندفع المنكر،بل ربما كانت الحسبة أيضا منكرة،لمجاورة حد الشرع فيها،و دل على هذه الآداب قوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«لا يأمر بالمعروف و لا ينهى عن المنكر إلاّ رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه» و هذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون فيها مطلقا،بل فيما يأمر به و ينهى عنه،و كذا الحلم قال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى:إذا كنت ممن يأمر بالمعروف،فكن من آخذ الناس به،و إلا هلكت،و قد قيل