إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٧ - الحالة الرابعة عكس هذه
كلاما فأردت أن أنكر عليه،و علمت أنى أقتل و لم يمنعني القتل،و لكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للخلق،فأقتل من غير إخلاص في الفعل فإن قيل فما معنى قوله تعالى وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [١]قلنا:لا خلاف في أن المسلم الواحد،له أن يهجم على صف الكفار و يقاتل،و إن علم أنه يقتل،و هذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية،و ليس كذلك،فقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما،ليس التهلكة ذلك،بل ترك النفقة في طاعة اللّه تعالى،أي من لم يفعل ذلك فقد أهلك نفسه،و قال البراء بن عازب:التهلكة هو أن يذنب الذنب،ثم يقول لا يتاب علىّ،و قال أبو عبيدة: هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرا حتى يهلك،و إذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يقتل،جاز أيضا له ذلك في الحسبة،و لكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار،كالأعمى يطرح نفسه على الصف،أو العاجز،فذلك حرام،و داخل تحت عموم آية التهلكة،و إنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل،أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته، و اعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة،و حبهم للشهادة في سبيل اللّه،فتنكسر بذلك شوكتهم،فكذلك يجوز للمحتسب،بل يستحب له أن يعرّض نفسه للضرب و القتل،إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر،أو في كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين،و أما إن رأى فاسقا متغلبا،و عنده سيف،و بيده قدح،و علم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح،و ضرب رقبته،فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجها،و هو عين الهلاك،فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرا،و يفديه بنفسه،فأما تعريض النفس الهلاك من غير أثر فلا وجه له،بل ينبغي أن يكون حراما،و إنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر،أو ظهر لفعله فائدة،و ذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه،فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه،فلا تجوز له الحسبة بل تحرم،لأنه عجز عن دفع المنكر،إلا بأن يفضي ذلك إلى منكر آخر،و ليس ذلك من القدرة في شيء،بل لو علم أنه لو احتسب لبطل ذلك المنكر،و لكن كان ذلك سببا لمنكر آخر يتعاطاه غير المحتسب عليه،فلا يحل له الإنكار على الأظهر، لأن المقصود عدم مناكير الشرع مطلقا
[١] البقرة:١٩٥