إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٦ - الشرط الثالث أن يكون المنكر ظاهرا
و هذا لا يسمى معصية في حق المجنون،إذ معصية لا عاصي بها محال،فلفظ المنكر أدلّ عليه و أعم من لفظ المعصية،و قد أدرجنا في عموم هذا الصغيرة و الكبيرة،فلا تختص الحسبة بالكبائر،بل كشف العورة في الحمام،و الخلوة بالأجنبية،و اتباع النظر للنسوة الأجنبيات،كل ذلك من الصغائر،و يجب النهى عنها،و في الفرق بين الصغيرة و الكبيرة نظر سيأتي في كتاب التوبة
الشرط الثاني:أن يكون موجودا في الحال
و هو احتراز أيضا عن الحسبة على من فرغ من شرب الخمر،فإن ذلك ليس إلى الآحاد و قد انقرض المنكر،و احتراز عما سيوجد في ثاني الحال،كمن يعلم بقرينة حاله أنه عازم على الشرب في ليلته،فلا حسبة عليه إلا بالوعظ،و إن أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه أيضا فإن فيه إساءة ظن بالمسلم،و ربما صدق في قوله،و ربما لا يقدم على ما عزم عليه لعائق و ليتنبه للدقيقة التي ذكرناها،و هو أن الخلوة بالأجنبية معصية ناجزة و كذا الوقوف على باب حمام النساء،و ما يجرى مجراه
الشرط الثالث:أن يكون المنكر ظاهرا
للمحتسب بغير تجسس فكل من ستر معصية في داره و أغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه و قد نهى اللّه تعالى عنه و قصة عمر و عبد الرحمن بن عوف فيه مشهورة و قد أوردناها في كتاب آداب الصحبة و كذلك ما روى أن عمر رضى اللّه عنه،تسلق دار رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين:إن كنت أنا قد عصيت اللّه من وجه واحد،فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه،فقال و ما هي؟فقال قد قال اللّه تعالى وَ لاٰ تَجَسَّسُوا [١]و قد تجسست،و قال تعالى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا [٢]و قد تسورت من السطح،و قال لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّٰى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلىٰ أَهْلِهٰا [٣]و ما سلمت فتركه عمر،و شرط عليه التوبة و لذلك شاور عمر الصحابة رضى اللّه عنهم،و هو على المنبر،و سألهم عن الإمام إذا شاهد بنفسه منكرا فهل له إقامة الحد فيه،فأشار علىّ رضى اللّه عنه بأن ذلك منوط بعدلين،فلا يكفي فيه واحد
[١] الحجرات:١٢.
[٢] البقرة:١٨٩.
[٣] النور:٢٧.