إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٢ - الركن الثالث
فإنا لا نقصد منع الجرة و حراستها من أن تصير كاسرة للقارورة،و نمنع المجنون من الزنا و إتيان البهيمة،و شرب الخمر،و كذا الصبي لا صيانة للبهيمة المأتية، أو الخمر المشروب،بل صيانة للمجنون عن شرب الخمر،و تنزيها له من حيث إنه إنسان محترم فهذه لطائف دقيقة لا يتفطن لها إلا المحققون فلا ينبغي أن يغفل عنها،ثم فيما يجب تنزيه الصبي و المجنون عنه نظر،إذ قد يتردد في منعهما من لبس الحرير و غير ذلك،و سنتعرض لما نشير إليه في الباب الثالث فإن قلت:فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان فهل يجب عليه إخراجها و كل من رأى ما لا لمسلم أشرف على الضياع،هل يجب عليه حفظه،فإن قلتم إن ذلك واجب،فهذا تكليف شطط، يؤدى إلى أن يصير الإنسان مسخرا لغيره طول عمره،و إن قلتم لا يجب فلم يجب الاحتساب على من يغصب مال غيره و ليس له سبب سوى مراعاة مال الغير فنقول:هذا بحث دقيق غامض،و القول الوجيز فيه أن نقول:مهما قدر على حفظه من الضياع،من غير أن يناله تعب في بدنه،أو خسران في ماله،أو نقصان في جاهه،وجب عليه ذلك،فذلك القدر واجب في حقوق المسلم،بل هو أقل درجات الحقوق،و الأدلة الموجبة لحقوق المسلمين كثيرة،و هذا أقل درجاتها،و هو أولى بالإيجاب من رد السلام فإن الأذى في هذا أكثر من الاذي في ترك رد السلام،بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع بظلم ظالم،و كان عنده شهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه،وجب عليه ذلك و عصى بكتمان الشهادة،ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر على الدافع فيه،فأما إن كان عليه تعب أو ضرر في مال أو جاه لم يلزمه ذلك،لأن حقه مرعى في منفعة بدنه،و في ماله و جاهه،كحق غيره،فلا يلزمه أن يفدى غيره بنفسه،نعم الإيثار مستحب،و تجشم المصاعب لأجل المسلمين قربة،فأما إيجابها فلا،فإذا إن كان يتعب بإخراج البهائم عن الزرع لم يلزمه السعي في ذلك،و لكن إذا كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نومه أو بإعلامه يلزمه ذلك،فإهمال تعريفه و تنبيهه كإهماله تعريف القاضي بالشهادة،و ذلك لا رخصة فيه،و لا يمكن أن يراعى فيه الأقل و الأكثر،حتى يقال إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله بإخراج البهائم،إلا قدر درهم مثلا.و صاحب الزرع يفوته مال كثير،فيترجح جانبه