إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٧ - المنكرات العامة
و معلوم أن الإنسان لا يولد عالما بالشرع،و إنما يجب التبليغ على أهل العلم،فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها و لعمري الأثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر،و هو بصناعتهم أليق،لأن المحترفين لو تركوا حرفتهم لبطلت المعايش،فهم قد تقلدوا أمرا لا بد منه في صلاح الخلق،و شأن الفقيه و حرفته تبليغ ما بلغه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء و ليس للإنسان أن يقعد في بيته و لا يخرج إلى المسجد،لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم و النهى،و كذا كل من تيقن أن في السوق منكرا يجرى على الدوام،أو في وقت بعينه،و هو قادر على تغييره،فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت،بل يلزمه الخروج،فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع و هو محترز عن مشاهدته،و يقدر على البعض لزمه الخروج،لأن خروجه إذا كان لأجل تغيير ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر عليه،و إنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض و ترك المحرمات،ثم يعلم ذلك أهل بيته،ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه،ثم إلى أهل محلته،ثم إلى أهل بلده،ثم إلى أهل السواد المكتنف ببلده،ثم إلى أهل البوادي من الأكراد و العرب و غيرهم و هكذا إلى أقصى العالم،فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد و إلا حرج به على كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا،و لا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه،و هو قادر على أن يسعى إليه بنفسه،أو بغيره،فيعلمه فرضه،و هذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه،يشغله عن تجزئة الأوقات في التفريعات النادرة،و التعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفايات،و لا يتقدم على هذا إلا فرض عين،أو فرض كفاية هو أهم منه