إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٤ - و عن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو
من الرعية،فامتلأت بلاد اللّه بالطمع بغيا و فسادا،و صار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك و أنت غافل،فإن جاء متظلم حيل بينه و بين الدخول إليك،و إن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك و جدك قد نهيت عن ذلك،و وقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته،و إن كانت للمتظلم به حرمة و إجابة لم يمكنه مما يريد خوفا منهم،فلا يزال المظلوم يختلف إليه و يلوذ به و يشكو و يستغيث،و هو يدفعه و يعتل عليه،فإذا جهدوا خرج و ظهرت صرخ بين يديك،فيضرب ضربا مبرحا،ليكون نكالا لغيره،و أنت تنظر و لا تنكر و لا تغير،فما بقاء الإسلام و أهله على هذا،و لقد كانت بنو أمية و كانت العرب لا ينتهى إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف،و لقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم،فينادى يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك مالك فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم،فينتصف،و لقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين و بها ملك،فقدمتها مرة و قد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكى:فقال له وزراؤه ما لك تبكي لا بكت عيناك،فقال:أما إنى لست أبكى على المصيبة التي نزلت بي،و لكن أبكى لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته،ثم قال:أما إن كان قد ذهب سمعي فإن بصرى لم يذهب،نادوا في الناس ألا لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل و يطوف طرفي النهار هل يرى مظلوما فينصفه،هذا يا أمير المؤمنين مشرك باللّه قد غلبت رأفته بالمشركين،و رقته على شح نفسه في ملكه،و أنت مؤمن باللّه و ابن عم نبي اللّه،لا تغلبك رأفتك بالمسلمين و رقتك على شبح نفسك،فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك اللّه عبرا في الطفل الصغير،يسقط من بطن أمه،و ما له على الأرض مال،و ما من مال إلا و دونه يد شحيحة تحويه،فما يزال اللّه تعالى يلطف بذلك الطفل،حتى تعظم رغبة الناس إليه،و لست الذي تعطى،بل اللّه يعطى من يشاء و إن قلت.أجمع المال لأشيد سلطانى،فقد أراك اللّه عبرا فيمن كان قبلك،ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب و الفضة،و ما أعدوا من الرجال و السلاح و الكراع،و ما ضرك و ولد أبيك ما كنتم فيه من قلة الجيدة و الضعف،حين أراد اللّه بكم ما أراد