إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٩ - الحالة الرابعة عكس هذه
أنه لا فائدة فيه،أما بالإجماع،أو بقياس ظاهر،و هو أن الأمر ليس يراد لعينه بل للمأمور فإذا علم اليأس عنه فلا فائدة فيه،فأما إذا لم يكن يأس فينبغي أن لا يسقط الوجوب فإن قيل:فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقنا و لا معلوما بغالب الظن و لكن كان مشكوكا فيه،أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه،و لكن احتمل أن يصاب بمكروه فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين بأنه لا يصيبه مكروه،أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه قلنا:إن غلب على الظن أنه يصاب لم يجب،و إن غلب أنه لا يصاب وجب، و مجرد التجويز لا يسقط الوجوب،فإن ذلك ممكن في كل حسبة،و إن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر فيحتمل أن يقال:الأصل الوجوب بحكم العمومات،و إنما يسقط بمكروه و المكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعا،و هذا هو الأظهر،و يحتمل أن يقال إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه،أو ظن أنه لا ضرر عليه،و الأول أصح نظرا إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف.
فإن قيل:فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن و الجراءة،فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريبا،حتى كأنه يشاهده و يرتاع منه،و المتهور الشجاع يبعد وقوع المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل،حتى إنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه،فعلى ما ذا التعويل؟ قلنا:التعويل على اعتدال الطبع،و سلامة العقل و المزاج،فإن الجبن مرض،و هو ضعف في القلب،سببه قصور في القوّة و تفريط،و التهور إفراط في القوّة و خروج عن الاعتدال بالزيادة،و كلاهما نقصان،و إنما الكمال في الاعتدال الذي يعبر عنه بالشجاعة و كل واحد من الجبن و التهور يصدر تارة عن نقصان العقل،و تارة عن خلل في المزاج بتفريط أو إفراط،فإن من اعتدل مزاجه في صفة الجبن و الجراءة فقد لا يتفطن لمدارك الشر فيكون سبب جراءته جهله،و قد لا يتفطن لمدارك دفع الشر فيكون سبب جبنه جهله و قد يكون عالما بحكم التجربة و الممارسة بمداخل الشر و دوافعه،و لكن يعمل الشر البعيد في تخذيله و تحليل قوته في الإقدام بسبب ضعف قلبه ما يفعله الشر القريب في حق الشجاع