إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣١ - الحالة الرابعة عكس هذه
و فوات إمكانه كأنه فوات حصوله،فرجع المكروه إلى قسمين،أحدهما:خوف امتناع المنتظر و هذا لا ينبغي أن يكون مرخصا في ترك الأمر بالمعروف أصلا و لنذكر مثاله في المطالب الأربعة أما العلم:فمثاله تركه الحسبة على من يختص بأستاذه، خوفا من أن يقبح حاله عنده فيمتنع من تعليمه و أما الصحة:فتركه الإنكار على الطبيب الذي يدخل عليه مثلا،و هو لابس حريرا،خوفا من أن يتأخر عنه فتمتنع بسببه صحته المنتظرة و أما المال.فتركه الحسبة على السلطان و أصحابه،و على من يواسيه من ماله،حيفة من أن يقطع إدراره في المستقبل،و يترك مواساته و أما الجاه:فتركه الحسبة على من يتوقع منه نصرة و جاها في المستقبل،خيفة من أن لا يحصل له الجاه،أو خيفة من أن يقبح حاله عند السلطان الذي يتوقع منه ولاية و هذا كله لا يسقط وجوب الحسبة،لأن هذه زيادات امتنعت،و تسمية امتناع حصول الزيادات ضررا مجاز،و إنما الضرر الحقيقي فوات حاصل،و لا يستثنى من هذا شيء إلا ما تدعو إليه الحاجة،و يكون في فواته محذور يزيد على محذور السكوت على المنكر،كما إذا كان محتاجا إلى الطبيب لمرض ناجز،و الصحة منتظرة من معالجة الطبيب،و يعلم أن في تأخره شدة الضنا به و طول المرض،و قد يفضي إلى الموت،و أعنى بالعلم الظن الذي يجوز بمثله ترك استعمال الماء،و العدول إلى التيمم،فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يبعد أن يرخص في ترك الحسبة و أما في العلم:فمثل أن يكون جاهلا بمهمات دينه و لم يجد إلا معلما واحدا،و لا قدرة له على الرحلة إلى غيره،و علم أن المحتسب عليه قادر على أن يسد عليه طريق الوصول إليه لكون العالم مطيعا له،أو مستمعا لقوله،فإذا الصبر على الجهل بمهمات الدين محذور و السكوت على المنكر محذور،و لا يبعد أن يرجح أحدهما،و يختلف ذلك بتفاحش المنكر و بشدة الحاجة إلى العلم لتعلقه بمهمات الدين و أما في المال:فكمن يعجز عن الكسب و السؤال،و ليس هو قوى النفس في التوكل و لا منفق عليه سوى شخص واحد،و لو احتسب عليه قطع رزقه،و افتقر في تحصيله إلى طلب إدرار حرام،أو مات جوعا،فهذا أيضا إذا اشتد الأمر فيه لم يبعد أن يرخص له في السكوت