إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥١ - الدرجة الثامنة
و يقول له خل عنها أو لأرمينك،فإن لم يخل عنها فله أن يرمى،و ينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق و الفخذ و ما أشبهه،و يراعى فيه التدريج،و كذلك يسل سيفه،و يقول اترك هذا المنكر أو لأضربنك،فكل ذلك دفع للمنكر،و دفعه واجب بكل ممكن،و لا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق اللّه و ما يتعلق بالآدميين،و قالت المعتزلة:ما لا يتعلق بالآدميين فلا حسبة فيه الا بالكلام أو بالضرب، و لكن للإمام لا للآحاد
الدرجة الثامنة
أن لا يقدر عليه بنفسه
و يحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح،و ربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه،و يؤدى ذلك إلى أن يتقابل الصفان و يتقاتلا،فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام.
فقال قائلون:لا يستقل آحاد الرعية بذلك،لأنه يؤدى إلى تحريك الفتن و هيجان الفساد و خراب البلاد و قال آخرون:لا يحتاج إلى الإذن و هو الأقيس،لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف و أوائل درجاته تجر إلى ثوان،و الثواني إلى ثوالث،و قد ينتهى لا محالة إلى التضارب و التضارب يدعو إلى التعاون،فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف،و منتهاه تجنيد الجنود في رضا اللّه و دفع معاصيه،و نحن نجوّز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا و يقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار،قمعا لأهل الكفر،فكذلك قمع أهل الفساد جائز،لأن الكافر لا بأس بقتله،و المسلم إن قتل فهو شهيد،فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله و المحتسب المحق إن قتل مظلوما فهو شهيد و على الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة،فلا يغير به قانون القياس،بل يقال كل من قدر على دفع منكر،فله أن يدفع ذلك بيده و بسلاحه و بنفسه و بأعوانه،فالمسألة إذا محتملة كما ذكرناه،فهذه درجات الحسبة فلنذكر آدابها و اللّه الموفق