إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٦ - المنكرات العامة
الإسراف ينكر عليه،و يجب على القاضي أن يحجر عليه،إلا إذا كان الرجل وحده و كان له قوة في التوكل صادقة،فله أن ينفق جميع ماله في أبواب البر،و من له عيال أو كان عاجزا عن التوكل،فليس له أن يتصدق بجميع ماله،و كذلك لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه،و تزيين بنيانه،فهو أيضا إسراف محرم،و فعل ذلك ممن له مال كثير ليس بحرام لأن التزيين من الأغراض الصحيحة،و لم تزل المساجد تزين،و تنقش أبوابها و سقوفها،مع أن نقش الباب و السقف لا فائدة فيه إلا مجرد الزينة،فكذا الدور،و كذلك القول في التجمل بالثياب،و الأطعمة،فذلك مباح في جنسه،و يصير إسرافا باعتبار حال الرجل و ثروته و أمثال هذه المنكرات كثيرة لا يمكن حصرها، فقس بهذه المنكرات المجامع،و مجالس القضاة،و دواوين السلاطين،و مدارس الفقهاء،و رباطات الصوفية،و خانات الأسواق فلا تخلو بقعة عن منكر مكروه أو محذور،و استقصاء جميع المنكرات يستدعى استيعاب جميع تفاصيل الشرع،أصولها و فروعها،فلنقتصر على هذا القدر منها
المنكرات العامة
اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان،فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس و تعليمهم،و حملهم على المعروف،فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف في القرى و البوادي،و منهم الأعراب و الأكراد،و التركمانية و سائر أصناف الخلق،و واجب أن يكون في كل مسجد و محلة من البلد فقيه،يعلم الناس دينهم،و كذا في كل قرية،و واجب على كل فقيه فرغ من فرض عينه،و تفرغ لفرض الكفاية،أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل السواد،و من العرب و الأكراد،و غيرهم و يعلمهم دينهم،و فرائض شرعهم،و يستصحب مع نفسه زادا يأكله و لا يأكل من أطعمتهم فإن أكثرها مغصوب،فإن قام بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الآخرين،و إلاّ عم الحرج الكافة أجمعين،أما العالم،فلتقصيره في الخروج،و أما الجاهل،فلتقصيره في ترك التعلم،و كل عامى عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره، و إلا فهو شريك في الإثم