إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٧ - الشرط الرابع أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد
و قد أوردنا هذه الأخبار في بيان حق المسلمين من كتاب آداب الصحبة فلا نعيدها فإن قلت:فما حد الظهور و الاستتار فاعلم أن من أغلق باب داره،و تستر بحيطانه،فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية،إلا أن يظهر في الدار ظهورا يعرفه من هو خارج الدار،كأصوات المزامير و الأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار،فمن سمع ذلك فله دخول الدار و كسر الملاهي و كذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم،بحيث يسمعها أهل الشوارع، فهذا إظهار موجب للحسبة،فإذا إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة فإذا فاحت روائح الخمر،فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمور المحترمة فلا يجوز قصدها بالإراقة و إن علم بقرينة الحال أنها فاحت لتعاطيهم الشرب،فهذا محتمل،و الظاهر جواز الحسبة و قد تستر قارورة الخمر في الحكم و تحت الذيل،و كذلك الملاهي،فإذا رؤي فاسق،و تحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة،فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر،إذ الفاسق محتاج أيضا إلى الخل و غيره،فلا يجوز أن يستدل بإخفائه و أنه لو كان حلالا لما أخفاه،لأن الأغراض في الإخفاء مما تكثر،و إن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر،و الظاهر أن له الاحتساب،لأن هذه علامة تفيد الظن،و الظن كالعلم في أمثال هذه الأمور،و كذلك العود ربما يعرف بشكله،إذا كان الثوب الساتر له رقيقا فدلالة الشكل كدلالة الرائحة و الصوت،و ما ظهرت دلالته فهو غير مستور،بل هو مكشوف و قد أمرنا بأن نستر ما ستر اللّه،و ننكر على من أبدى لنا صفحته، و الإبداء له درجات،فتارة يبدو لنا بحاسة السمع،و تارة بحاسة الشم،و تارة بحاسة البصر،و تارة بحاسة اللمس،و لا يمكن أن نخصص ذلك بحاسة البصر،بل المراد العلم،و هذه الحواس أيضا تفيد العلم فإذا إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثوب إذ علم أنه خمر،و ليس له أن يقول أرني لأعلم ما فيه،فإن هذا تجسس و معنى التجسس،طلب الأمارات المعرفة،فالأمارة المعرفة إن حصلت و أورثت المعرفة جاز العمل بمقتضاها،فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلا
الشرط الرابع:أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد
فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه،فليس للحنفى أن ينكر على الشافعي أكله