إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩ - الشرط الرابع
قلنا:الكافر إن منع المسلم بفعله فهو تسلط عليه،فيمنع من حيث إنه تسلط وَ مَا جَعَلَ اللّهُ للْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ سَبِيلاَ و أما مجرد قوله.لا تزن فليس بمحرم عليه من حيث إنه نهى عن الزنا.و لكن من حيث إنه إظهار دالة الاحتكام على المسلم،و فيه إذلال للمحتكم عليه،و الفاسق يستحق الإذلال،و لكن لا من الكافر الذي هو أولى بالذل منه، فهذا وجه منعنا إياه من الحسبة،و إلا فلسنا نقول إن الكافر يعاقب بسبب قوله لا تزن من حيث إنه نهى،بل نقول إنه إذا لم يقل لا تزن يعاقب عليه،إن رأينا خطاب الكافر بفروع الدين،و فيه نظر استوفيناه في الفقهيات و لا يليق بغرضنا الآن
الشرط الرابع:
كونه مأذونا من جهة الإمام و الوالي، فقد شرط قوم هذا الشرط و لم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة،و هذا الاشتراط فاسد،فإن الآيات الأخبار التي أوردناها تدل على أن كل من رأى منكرا فسكت عليه عصى،إذ يجب نهيه أينما رآه،و كيفما رآه على العموم،فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له و العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا:لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم و هو الامام الحق عندهم،و هؤلاء أخس رتبة من أن يكلموا،بل جوابهم أن يقال لهم،إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم و أموالهم،إن نصرتكم أمر بالمعروف و استخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهى عن المنكر،و طلبكم لحقكم من جملة المعروف و ما هذا زمان النهى عن الظلم،و طلب الحقوق،لأن الامام الحق بعد لم يخرج فإن قيل في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة،و ولاية،و احتكام على المحكوم عليه و لذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقا،فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الولي و صاحب الأمر.
فنقول:أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة و عز الاحتكام،و الكافر ذليل،فلا يستحق أن ينال عز التحكم على المسلم،و أما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين و المعرفة،و ما فيه من عز السلطنة،و الاحتكام لا يحوج إلى تفويض، كعز التعليم و التعريف،إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم و الإيجاب لمن هو جاهل و مقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن الوالي و فيه عز الإرشاد و على المعرف ذل التجهيل،و ذلك يكفي فيه مجرد الدين و كذلك النهى.