إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٩ - و عن عبد اللّه بن مهران
و اعلم أنى قد نصحتك،و ما أبقيت لك في النصح غاية،فاتق اللّه يا هارون في رعيتك و احفظ محمدا صلى اللّه عليه و سلم في أمته،و أحسن الخلافة عليهم و اعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك،و هو صائر إلى غيرك،و كذا الدنيا تنتقل بأهلها واحدا بعد واحد،فمنهم من تزود زادا نفعه،و منهم من خسر دنياه و آخرته و إنى أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه و آخرته،فإياك إياك أن تكتب لي كتابا بعد هذا فلا أجيبك عنه،و السلام قال عباد:فألقى إلىّ الكتاب منشورا غير مطوى و لا مختوم،فأخذته و أقبلت إلى سوق الكوفة،و قد وقعت الموعظة من قلبي،فناديت يا أهل الكوفة فأجابونى،فقلت لهم:يا قوم من يشترى رجلا هرب من اللّه إلى اللّه،فأقبلوا إلىّ بالدنانير و الدراهم،فقلت لا حاجة لي في المال،و لكن جبة صوف خشنة،و عباءة قطوانية، قال فأتيت بذلك،و نزعت ما كان علىّ من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين،و أقبلت أقود البرذون[١]،و عليه السلاح الذي كنت أحمله،حتى أتيت باب أمير المؤمنين هارون حافيا راجلا،فهزأ بي من كان على باب الخليفة،ثم استؤذن لي،فلما دخلت عليه و بصر بي على تلك الحالة قام و قعد،ثم قام قائما،و جعل يلطم رأسه و وجهه،و يدعو بالويل و الحزن،و يقول:انتفع الرسول و خاب المرسل،مالى و الدنيا،مالى و الملك يزول عنى سريعا،ثم ألقيت الكتاب إليه منشورا كما دفع إلىّ فأقبل هارون يقرؤه،و دموعه تنحدر من عينيه،و يقرأ و يشهق،فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان،فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد،و ضيقت عليه السجن،كنت تجعله عبرة لغيره،فقال هارون:اتركونا يا عبيد الدنيا،المغرور من غررتموه،و الشقي من أهلكتموه،و إن سفيان أمة وحده، فاتركوا سفيان و شأنه،ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هارون يقرؤه عند كل صلاة،حتى توفى رحمه اللّه،فرحم اللّه عبدا نظر لنفسه،و اتقى اللّه فيما يقدم عليه غدا من عمله فإنه عليه يحاسب،و به يجازى و اللّه ولى التوفيق
و عن عبد اللّه بن مهران
،قال حج الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياما،ثم ضرب بالرحيل