إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩١ - و عن أحمد بن إبراهيم المقري
أسرارهم،و يسألون اللّه كتمان ذلك عليهم،فمن أين تعرفهم؟قال فصاح صيحة غشى عليه منها،فمكث عندي يومين لا يعقل،ثم أفاق و قد أحدث في ثيابه،فعلمت إزالة عقله فأخرجت له ثوبا جديدا،و قلت له هذا كفني قد آثرتك به،فاغتسل و أعد صلاتك،فقال هات الماء،فاغتسل و صلى،ثم التحف بالثوب و خرج،فقلت له أين تريد؟فقال لي قم معي فلم يزل يمشى،حتى دخل على المأمون فسلم عليه،و قال يا ظالم،أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم، استغفر اللّه من تقصيرى فيك،أما تتقى اللّه تعالى فيما قد ملكك،و تكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج و أنا جالس بالباب فأقبل عليه المأمون،و قال:من أنت؟قال:أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي،فلم أجد لنفسي فيه حظا،فتعلقت بموعظتك لعلى ألحقهم، قال فأمر بضرب عنقه فأخرج و أنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب، و مناد ينادى من ولى هذا؟فليأخذه،قال الحارث:فاختبأت عنه،فأخذه أقوام غرباء فدفنوه و كنت معهم لا أعلمهم بحاله،فأقمت في مسجد بالمقابر محزونا على الفتى،فغلبتني عيناي فإذا هو بين وصائف لم أر أحسن منهن،و هو يقول يا حارث أنت و اللّه من الكاتمين الذين يخفون أحوالهم،و يطيعون ربهم،قلت و ما فعلوا قال الساعة يلقونك،فنظرت إلى جماعة ركبان،فقلت من أنتم؟قالوا الكاتمون أحوالهم،حرّك هذا الفتى كلامك له فلم يكن في قلبه مما وصفت شيء فخرج للأمر و النهى،و إن اللّه تعالى أنزله معنا و غضب لعبده
و عن أحمد بن إبراهيم المقري
قال كان أبو الحسين النوري رجلا قليل الفضول،لا يسأل عما لا يعينه،و لا يفتش عما لا يحتاج إليه،و كان إذا رأى منكرا غيره و لو كان فيه تلفه فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين،يتطهر للصلاة،إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنا[١]مكتوب عليها بالقار لطف،فقرأه و أنكره،لأنه لم يعرف في التجارات و لا في البيوع شيئا يعبر عنه بلطف،فقال للملاح أيش في هذه الدنان،قال و أيش عليك امض في شغلك،فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشا إلى معرفته،فقال أحب أن تخبرني أيش في هذه الدنان،قال و أيش عليك،أنت و اللّه صوفى فضولى،هذا خمر للمعتضد يريد أن يتمم به مجلسه،فقال النوري و هذا خمر،قال:نعم،فقال:أحب