إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣ - الحالة الرابعة عكس هذه
منديله في رقبته و يدار به في البلد،أو يسود وجهه و يطاف به، و كل ذلك من غير ضرب مؤلم للبدن،و هو قادح في الجاه،و مؤلم للقلب،و هذا له درجات فالصواب أن يقسم إلى ما يعبر عنه بسقوط المروءة،كالطواف به في البلد حاسرا حافيا فهذا يرخص له في السكوت لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع،و هذا مؤلم للقلب ألما يزيد على ألم ضربات متعددة و على فوات دريهمات قليلة،فهذه درجة الثانية ما يعبر عنه بالجاه المحض و علو الرتبة،فان الخروج في ثياب فاخرة تجمل،و كذلك الركوب للخيول،فلو علم أنه لو احتسب لكلف المشي في السوق في ثياب لا يعتاد هو مثلها أو كلف المشي راجلا و عادته الركوب،فهذا من جملة المزايا و ليست المواظبة على حفظها محمودة، و حفظ المروءة محمود،فلا ينبغي أن يسقط وجوب الحسبة بمثل هذا القدر،و في معنى هذا ما لو خاف أن يتعرض له باللسان،أما في حضرته بالتجهيل و التحميق، و النسبة إلى الرياء و البهتان و أما في غيبته بأنواع الغيبة فهذا لا يسقط الوجوب،إذ ليس فيه إلا زوال فضلات الجاه التي ليس إليها كبير حاجة و لو تركت الحسبة بلوم لائم،أو باغتياب فاسق،أو شتمه و تعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه و قلب أمثاله،لم يكن للحسبة وجوب أصلا،إذ لا تنفك الحسبة عنه إلا إذا كان المنكر هو الغيبة،و علم أنه لو أنكر لم يسكت عن المغتاب،و لكن أضافه إليه و أدخله معه في الغيبة،فتحرم هذه الحسبة لأنها سبب زيادة المعصية،و إن علم أنه يترك تلك الغيبة و يقتصر على غيبته فلا تجب عليه الحسبة،لأن غيبته أيضا معصية في حق المغتاب،و لكن يستحب له ذلك ليفدى عرض المذكور بعرض نفسه على سبيل الإيثار،و قد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة و عظم الخطر في السكوت عنها،فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره،و المال و النفس و المروءة قد ظهر في الشرع خطرها،فأما مزايا الجاه و الحشمة و درجات التجمل، و طلب ثناء الخلق،فكل ذلك لا خطر له و أما امتناعه لخوف شيء من هذه المكاره في حق أولاده و أقاربه،فهو في حقه دونه،لأن تأذيه بأمر نفسه أشد من تأذيه بأمر غيره،و من وجه الدين هو فوقه،لأن له أن يسامح في حقوق نفسه،و ليس له المسامحة في حق غيره،فإذا ينبغي أن يمتنع،فإنه إن