إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٢ - الشرط الرابع
فقال له سليمان بن أبي جعفر:ما هذا الغضب يا أمير المؤمنين؟ابعث إلى صاحب الربع يضرب عنقه،و يرم به في الدجلة،فقال:لا،و لكن نبعث إليه و نناظره أولا، فجاء الرسول فقال أجب أمير المؤمنين،فقال:نعم،قال اركب قال:لا،فجاء يمشى حتى وقف على باب القصر،فقيل لهارون قد جاء الشيخ فقال للندماء:أي شيء ترون نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل هذا الشيخ،أو نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر،فقالوا له نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر أصلح،فقاموا إلى مجلس ليس فيه منكر،ثم أمر بالشيخ فأدخل و في كمه الكيس الذي فيه النوى،فقال له الخادم أخرج هذا من كمك،و ادخل على أمير المؤمنين،فقال من هذا عشائي الليلة،قال نحن نعشيك،قال لا حاجة لي في عشائكم فقال هارون للخادم أي شيء تريد منه،قال في كمه نوى،قلت له أطرحه و ادخل على أمير المؤمنين،فقال دعه لا يطرحه قال فدخل و سلم و جلس،فقال له هارون يا شيخ ما حملك على ما صنعت،قال و أي شيء صنعت؟و جعل هارون يستحى أن يقول كسرت عودى، فلما أكثر عليه،قال إنى سمعت أباك،و أجدادك،يقرءون هذه الآية على المنبر إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ [١]و أنا رأيت منكرا فغيرته،فقال فغيره فو اللّه ما قال إلا هذا،فلما خرج أعطى الخليفة رجلا بدرة،و قال اتبع الشيخ فإن رأيته يقول،قلت لأمير المؤمنين و قال لي فلا تعطه شيئا،و إن رأيته لا يكلم أحدا فأعطه البدرة،فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت فجعل يعالجها و لم يكلم أحدا،فقال له يقول لك أمير المؤمنين خذ هذه البدرة فقال قل لأمير المؤمنين يردها من حيث أخذها،و يروى أنه أقبل بعد فراغه من كلامه على النواة التي يعالج قلعها من الأرض،و هو يقول
أرى الدنيا لمن هي في يديه هموما كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر و تكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه و خذ ما أنت محتاج إليه
[١] النحل:٩٠