إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٩ - فمنها ما روي من إنكار أبي بكر الصديق
ذلك إذا قتل فهو شهيد كما وردت به الأخبار،قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلاك و محتملين أنواع العذاب،و صابرين عليه في ذات اللّه تعالى،و محتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند اللّه و طريق وعظ السلاطين و أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر ما نقل عن علماء السلف و قد أوردنا جملة من ذلك في باب الدخول على السلاطين في كتاب الحلال و الحرام و نقتصر الآن على
حكايات تعرف وجه الوعظ،و كيفية الإنكار عليهم
فمنها:ما روي من إنكار أبي بكر الصديق
رضي اللّه عنه على أكابر قريش،حين قصدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالسوء، و ذلك ما روى عن عروة رضي اللّه عنه،قال:
قلت لعبد اللّه بن عمرو:ما أكثر ما رأيت قريشا نالت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١] فيما كانت تظهر من عداوته،فقال:حضرتهم و قد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر،فذكروا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل،سفه أحلامنا و شتم آباءنا،و عاب ديننا،و فرق جماعتنا،و سب آلهتنا،و لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا،فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،فأقبل يمشى حتى استلم الركن،ثم مر بهم طائفا بالبيت،فلما مر بهم غمزوه ببعض القول،قال فعرفت ذلك في وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،ثم مضى،فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها،فعرفت ذلك في وجهه عليه السلام،ثم مضى،فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها حتى وقف،ثم قال:
«أ تسمعون يا معشر قريش أما و الّذي نفس محمّد بيده لقد جئتكم بالذّبح» قال فأطرق القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع،حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول،حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا،فو اللّه ما كنت جهولا،قال فانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر و أنا معهم،فقال بعضهم لبعض:ذكرتم ما بلغ منكم،و ما بلغكم عنه،حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه،فبينما هم في ذلك،إذ طلع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فوثبوا إليه