إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨ - الدرجة الخامسة
بالجزّ برجله،و إخراجه من المسجد إذا كان جالسا،و هو جنب،و ما يجرى مجراه،و يتصور ذلك في بعض المعاصي دون بعض،فأما معاصي اللسان و القلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها و كذلك كل معصية تقتصر على نفس العاصي و جوارحه الباطنة و في هذه الدرجة أدبان أحدهما:أن لا يباشر بيده التغيير،ما لم يعجز عن تكليف المحتسب عليه ذلك،فإذا أمكنه أن يكلفه المشي في الخروج عن الأرض المغصوبة و المسجد،فلا ينبغي أن يدفعه أو يجره و إذا قدر على أن يكلفه إراقة الخمر و كسر الملاهي،و حل دروز[١]ثوب الحرير،فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه،فان في الوقوف على حد الكسر نوع عسر،فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه،و تولاه من لا حجر عليه في فعله الثاني:أن يقتصر في طريق التغيير على القدر المحتاج إليه،و هو أن لا يأخذ بلحيته في الإخراج و لا برجله إذا قدر على جره بيده،فان زيادة الأذى فيه مستغنى عنه،و أن لا يمزق ثوب الحرير بل بحل دروزه فقط،و لا يحرق الملاهي و الصليب الذي أظهره النصارى بل يبطل صلاحيتها للفساد بالكسر،و حد الكسر أن يصير إلى حالة تحتاج في استئناف إصلاحه إلى تعب يساوى تعب الاستئناف من الخشب ابتداء، و في إراقة الخمور يتوقى كسر الاوانى إن وجد إليه سبيلا،فان لم يقدر عليها إلا بأن يرمى ظروفها بحجر فله ذلك و سقطت قيمة الظرف،و تقومه بسبب الخمر،إذ صار حائلا بينه و بين الوصول إلى إراقة الخمر،و لو ستر الخمر ببدنه لكنا نقصد بدنه بالجرح و الضرب،لنتوصل إلى إراقة الخمر،فإذا لا تزيد حرمة ملكه في الظروف على حرمة نفسه،و لو كان الخمر في قوارير ضيقة الرءوس و لو اشتغل بإراقتها طال الزمان و أدركه الفساق و منعوه،فله كسرها فهذا عذر،و إن كان لا يحذر ظفر الفساق به و منعهم،و لكن كان يضيع في زمانه و تتعطل عليه أشغاله،فله أن يكسرها فليس عليه أن يضيع منفعة بدنه و غرضه من أشغاله،لأجل ظروف الخمر و حيث كانت الاراقة متيسرة بلا كسر فكسره لزمه الضمان فإن قلت:فهلا جاز الكسر لأجلي الزجر،و هلا جاز الجر بالرجل في الإخراج عن الأرض المغصوبة،ليكون ذلك أبلغ في الزجر و اعلم:أن الزجر إنما يكون عن المستقبل، و العقوبة تكون على الماضي،و الدفع على الحاضر الراهن