إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - و عن أبي عمران الجونى
و إن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به،و لا يبقى شيء مسه ظالم عندنا فيفسد علينا ديننا،فقيل له ما نكتب؟فقال اكتبوا بسم اللّه الرحمن الرحيم،من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري،إلى العبد المغرور بالآمال،هارون الرشيد،الذي سلب حلاوة الإيمان،أما بعد:فإنى قد كتبت إليك أعرفك أنى قد صرمت حبلك،و قطعت ودك،و قليت موضعك، فإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك،بما هجمت به على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه،و أنفذته في غير حكمه،ثم لم ترض بما فعلته و أنت ناء عنى حتى كتبت إلىّ تشهدنى على نفسك،أما إنى قد شهدت عليك أنا و إخواني الذين شهدوا قراءة كتابك و سنؤدى الشهادة عليك غدا بين يدي اللّه تعالى،يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم،هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم،و العاملون عليها في أرض اللّه تعالى،و المجاهدون في سبيل اللّه و ابن السبيل،أم رضي بذلك حملة القرءان،و أهل العلم،و الأرامل و الأيتام أم هل رضي بذلك خلق من رعيتك،فشد يا هارون مئزرك،و أعد للمسألة جوابا،و للبلاء جلبابا،و اعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل،فقد رزئت في نفسك،إذ سلبت حلاوة العلم و الزهد و لذيذ القرءان و مجالسة الأخيار،و رضيت لنفسك أن تكون ظالما،و للظالمين إماما،يا هارون قعدت على السرير،و لبست الحرير، و أسبلت سترا دون بابك،و تشبهت بالحجبة برب العالمين،ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك و سترك،يظلمون الناس و لا ينصفون،يشربون الخمور،و يضربون من يشربها،و يزنون و يحدون الزاني،و يسرقون و يقطعون السارق،أ فلا كانت هذه الأحكام عليك و عليهم،قبل أن تحكم بها على الناس،فكيف بك يا هارون غدا،إذا نادى المنادى من قبل اللّه تعالى،احشروا الذين ظلموا و أزواجهم،أين الظلمة و أعوان الظلمة،فقدمك بين يدي اللّه تعالى،و يداك مغلولتان إلى عنقك،لا يفكهما إلا عدلك و إنصافك،و الظالمون حولك و أنك لهم سابق و إمام إلى النار.كأنى بك يا هارون و قد أخذت بضيق الخناق،و وردت المساق، و أنك ترى حسناتك في ميزان غيرك،و سيئات غيرك في ميزانك،زيادة عن سيئاتك،بلاء على بلاء،و ظلمة فوق ظلمة،فاحتفظ بوصيتي،و اتعظ بموعظتي التي وعظتك بها