إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥ - و أما الشرط الثالث
و ليس حكمه حكم الولايات،حتى يشترط فيه التكليف،و لذلك أثبتناه للعبد و آحاد الرعية نعم:في المنع بالفعل،و إبطال المنكر نوع ولاية و سلطنة،و لكنها تستفاد بمجرد الإيمان،كقتل المشرك و إبطال أسبابه،و سلب أسلحته،فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضر به،فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر
و أما الشرط الثاني:
و هو الإيمان،فلا يخفى وجه اشتراطه،لأن هذا نصرة للدين،فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصل الدين و عدوّ له
و أما الشرط الثالث:
و هو العدالة،فقد اعتبرها قوم، و قالوا ليس للفاسق أن يحتسب و ربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [١]و قوله تعالى كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ [٢]و بما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]أنه قال:«مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من أنتم فقالوا كنّا نأمر بالخير و لا نأتيه و ننهى عن الشّرّ و نأتيه»و بما روي أن اللّه تعالى،أوحى إلى عيسى صلى اللّه عليه و سلم عظ نفسك،فإن اتعظت فعظ الناس،و إلا فاستحى منى و ربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء،و كذلك تقويم الغير فرع للاستقامة.و الإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح،فمن ليس بصالح في نفسه،فكيف يصلح غيره،و متى يستقيم الظل و العود أعوج،و كل ما ذكروه خيالات و إنما الحق أن للفاسق أن يحتسب،و برهانه هو أن نقول:هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها،فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع،ثم حسم لباب الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم،و الأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا،و القرءان العزيز دالّ على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية،و كذا جماعة من الأنبياء و لهذا قال سعيد بن جبير:إن لم يأمر بالمعروف و لم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء
[١] البقرة:٤٤
[٢] الصف:٣.