إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٤ - الشرط الرابع
فإن انقدت لهما شكرت لمن أعانك لحرمتهما،و إن استكبرت عنهما و لم تنقد لما لزمك منهما فإن الذي إليه أمرك،و بيده عزك و ذلّك،قد شرط أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا،فقل الآن ما شئت،فأعجب المأمون بكلامه،و سر به،و قال مثلك يجوز له أن يأمر بالمعروف فامض على ما كنت عليه بأمرنا،و عن رأينا،فاستمر الرجل على ذلك ففي سياق هذه الحكايات بيان الدليل على الاستغناء عن الإذن فإن قيل:أ فتثبت ولاية الحسبة للولد على الوالد،و العبد على المولى،و الزوجة على الزوج و التلميذ على الأستاذ،و الرعية على الوالي مطلقا،كما يثبت للوالد على الولد،و السيد على العبد و الزوج على الزوجة،و الأستاذ على التلميذ،و السلطان على الرعية،أو بينهما فرق فاعلم أن الذي نراه أنه يثبت أصل الولاية،و لكن بينهما فرق في التفصيل،و لنفرض ذلك في الولد مع الوالد،فنقول قد رتبنا للحسبة خمس مراتب،و للولد الحسبة بالرتبتين الأوليين،و هما التعريف،ثم الوعظ و النصح باللطف، و ليس له الحسبة بالسب و التعنيف و التهديد،و لا بمباشرة الضرب،و هما الرتبتان الأخريان،و هل له الحسبة بالرتبة الثالثة حيث تؤدى إلى أذى الوالد و سخطه،هذا فيه نظر، و هو بأن يكسر مثلا عوده،و يريق خمره و يحل الخيوط عن ثيابه المنسوجة من الحرير،و يرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام،الذي غصبه أو سرقه أو أخذه إدرار رزق من ضريبة المسلمين،إذا كان صاحبه معينا و يبطل الصور المنقوشة على حيطانه،و المنقورة في خشب بيته،و يكسر أواني الذهب و الفضة،فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب و السب،و لكن الوالد يتأذى به و يسخط بسببه،إلا أن فعل الولد حق،و سخط الأب منشؤه حبه للباطل و للحرام،و الأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك،و لا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر،و إلى مقدار الأذى و السخط فإن كان المنكر فاحشا و سخطه عليه قريبا كإراقة خمر من لا يشتد غضبه،فذلك ظاهر و إن كان المنكر قريبا،و السخط شديدا كما لو كانت له آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان،و في كسرها خسران مال كثير،فهذا مما اشتد فيه الغضب،و ليس تجرى هذه المعصية مجرى الخمر و غيره،فهذا كله مجال النظر