إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٥ - الشرط الرابع
فإن قيل:و من أين قلتم ليس له الحسبة بالتعنيف و الضرب و الإرهاق إلى ترك الباطل، و الأمر بالمعروف في الكتاب و السنة ورد عاما من غير تخصيص، و أما النهي عن التأفيف و الإيذاء فقد ورد و هو خاص فيما لا يتعلق بارتكاب المنكرات فنقول:قد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الاستثناء من العموم،إذ لا خلاف[١] في أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه في الزنا حدا،و لا له أن يباشر إقامة الحد عليه بل لا يباشر قتل أبيه الكافر،بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص،و لم يكن له أن يؤذيه في مقابلته و قد ورد في ذلك أخبار و ثبت بعضها بالإجماع، فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة،فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة،بل أولى و هذا الترتيب أيضا ينبغي أن يجرى في العبد و الزوجة،مع السيد و الزوج،فهما قريبان من الولد في لزوم الحق و إن كان ملك اليمين آكد من ملك النكاح،و لكن في الخبر[٢] أنه لو جاز السجود لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها،و هذا يدل على تأكيد الحق أيضا و أما الرعية مع السلطان فالأمر فيها أشد من الولد فليس لها معه إلا التعريف و النصح فأما الرتبة الثالثة:ففيها نظر من حيث إن الهجوم على أخذ الأموال من خزانته و ردها إلى الملاك و على تحليل الخيوط من ثيابه الحرير،و كسر آنية الخمور في بيته يكاد يفضي إلى خرق هيبته،و إسقاط حشمته،و ذلك محظور،و رد النهي عنه[٣] كما ورد النهي عن السكوت على المنكر،فقد تعارض فيه أيضا محذوران،و الأمر فيه موكول إلى اجتهاد منشؤه النظر في تفاحش المنكر،و مقدار ما يسقط من حشمته سبب الهجوم عليه،و ذلك مما لا يمكن ضبطه، و أما التلميذ و الأستاذ فالأمر فيما بينهما أخف لأن المحترم هو لأستاذ المفيد للعلم من حيث الدين،و لا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه،فله أن يعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه