إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٥ - و من الآداب تقليل العلائق
ثم قال.إلىّ يا ابن أخي:فاستحى الغلام فجاء إليه فضمه إلى نفسه،ثم قال له:امض معي فمضى معه حتى صار إلى منزله فأدخله الدار،و قال لبعض غلمانه:بيته عندك،فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان منه،و لا تدعه ينصرف حتى تأتيني به،فلما أفاق ذكر له ما جرى فاستحيا منه و بكى،و همّ بالانصراف،فقال الغلام قد أمر أن تأتيه فأدخله عليه،فقال له أ ما استحييت لنفسك؟أ ما استحييت لشرفك؟أما ترى من ولدك؟فاتق اللّه و انزع عما أنت فيه،فبكى الغلام منكسا رأسه ثم رفع رأسه و قال:عاهدت اللّه تعالى عهدا يسألني عنه يوم القيامة،أنى لا أعود لشرب النبيذ،و لا لشيء مما كنت فيه و أنا تائب،فقال ادن منى فقبل رأسه،و قال:
أحسنت يا بني،فكان الغلام بعد ذلك يلزمه و يكتب عنه الحديث،و كان ذلك ببركة رفقه ثم قال:إن الناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر،و يكون معروفهم منكرا،فعليكم بالرفق في جميع أموركم،تنالون به ما تطلبون،و عن الفتح بن شخرف قال:تعلق رجل بامرأة و تعرض لها،و بيده سكين لا يدنو منه أحد إلا عقره،و كان الرجل شديد البدن فبينا الناس كذلك،و المرأة تصيح في يده،إذ مر بشر بن الحارث فدنا منه،و حك كتفه بكتف الرجل،فوقع الرجل على الأرض،و مشى بشر،فدنوا من الرجل و هو يترشح عرقا كثيرا،و مضت المرأة لحالها،فسألوه ما حالك؟فقال ما أدرى،و لكني حاكنى شيخ و قال لي إن اللّه عز و جل ناظر إليك و إلى ما تعمل،فضعفت لقوله قدماي،و هبته هيبة شديدة،و لا أدرى من ذلك الرجل،فقالوا له هو بشر بن الحارث،فقال وا سوأتاه كيف ينظر إلى بعد اليوم،و حم الرجل من يومه، و مات يوم السابع فهكذا كانت عادة أهل الدين في الحسبة،و قد نقلنا فيها آثارا و أخبارا في باب البغض في اللّه و الحب في اللّه،من كتاب آداب الصحبة،فلا نطول بالإعادة،فهذا تمام النظر في درجات الحسبة و آدابها،و اللّه الموفق بكرمه،و الحمد للّٰه على جميع نعمه