إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٨ - الحالة الرابعة عكس هذه
لا من زيد أو عمرو،و ذلك بأن يكون مثلا مع الإنسان شراب حلال،نجس بسبب وقوع نجاسة فيه،و علم أنه لو أراقه لشرب صاحبه الخمر،أو تشرب أولاده الخمر،لإعوازهم الشراب الحلال، فلا معنى لإراقة ذلك،و يحتمل أن يقال إنه يريق ذلك فيكون هو مبطلا لمنكر،و أما شرب الخمر فهو الملوم فيه،و المحتسب غير قادر على منعه من ذلك المنكر و قد ذهب إلى هذا ذاهبون،و ليس ببعيد،فإن هذه مسائل فقهية لا يمكن فيها الحكم إلا بظن،و لا يبعد أن يفرق بين درجات المنكر المغير،و المنكر الذي تفضي إليه الحسبة و التغيير،فإنه إذا كان يذبح شاة لغيره ليأكلها،و علم أنه لو منعه من ذلك لذبح إنسانا و أكله فلا معنى لهذه الحسبة.نعم لو كان منعه عن ذبح إنسان،أو قطع طرفه يحمله على أخذ ماله فذلك له وجه.
فهذه دقائق واقعة في محل الاجتهاد،و على المحتسب اتباع اجتهاده في ذلك كله،و لهذه الدقائق نقول:العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة، كشرب الخمر،و الزنا و ترك الصلاة،فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال،و يفتقر فيه إلى اجتهاد،فالعامى إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه،و عن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الحسبة إلا بتعيين الوالي،إذ ربما ينتدب لها من ليس أهلا لها،لقصور معرفته،أو قصور ديانته،فيؤدى ذلك إلى وجوه من الخلل،و سيأتي كشف الغطاء عن ذلك إن شاء اللّه.
فإن قيل:و حيث أطلقتم العلم بأن يصيبه مكروه، أو أنه لا تفيد حسبته،فلو كان بدل العلم ظن،فما حكمه؟ قلنا:الظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم،و إنما يظهر الفرق عند تعارض الظن و العلم،إذ يرجح العلم اليقيني على الظن.و يفرق بين العلم و الظن في مواضع أخر،و هو أنه يسقط وجوب الحسبة عنه حيث علم قطعا أنه لا يفيد،فإن كان غالب ظنه أنه لا يفيد و لكن يحتمل أن يفيد،و هو مع ذلك لا يتوقع مكروها،فقد اختلفوا في وجوبه و الأظهر وجوبه،إذ لا ضرر فيه،و جدواه متوقعة،و عمومات الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر،تقتضي الوجوب بكل حال،و نحن إنما نستثنى عنه بطريق التخصيص ما إذا علم