إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠ - و أما الأخبار
فرأوا أن مجاورة السباع و أكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم،ثم قرأ فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [١]قال ففرّ قوم فلو لا ما جعل اللّه جل ثناؤه في النبوّة من السر،لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء،فيما بلغنا أن الملائكة عليهم السلام تتلقاهم و تصافحهم،و السحاب و السباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه،و يسألها أين أمرت فتخبره،و ليس بنبي و قال أبو هريرة رضي اللّه عنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]«من حضر معصية فكرهها فكأنّه غاب عنها و من غاب عنها فأحبّها فكأنّه حضرها» و معنى الحديث أن يحضر لحاجة،أو يتفق جريان ذلك بين يديه،فأما الحضور قصدا فممنوع بدليل الحديث الأول و قال ابن مسعود رضي اللّه عنه:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«ما بعث اللّه عزّ و جلّ نبيّا إلاّ و له حواريّ فيمكث النّبي بين أظهرهم ما شاء اللّه تعالى يعمل فيهم بكتاب اللّه و بأمره حتّى إذا قبض اللّه نبيّه مكث الحواريّون يعملون بكتاب اللّه و بأمره و بسنّة نبيّهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رءوس المنابر يقولون ما يعرفون و يعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحقّ على كلّ مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه و ليس وراء ذلك إسلام» و قال ابن مسعود رضي اللّه عنه:كان أهل قرية يعملون بالمعاصي،و كان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون،فقام أحدهم فقال إنكم تعملون كذا و كذا، فجعل ينهاهم و يخبرهم بقبيح ما يصنعون،فجعلوا يردون عليه،و لا يرعوون عن أعمالهم،فسبهم فسبوه،و قاتلهم فغلبوه فاعتزل،ثم قال:اللهم إنى قد نهيتهم فلم يطيعوني،و سببتهم فسبوني،و قاتلتهم فغلبوني ثم اذهب،ثم قام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه فسبهم فسبوه فاعتزل،ثم قال اللهم إنى قد نهيتهم فلم يطيعوني،و سببتهم فسبوني،و لو قاتلتهم لغلبونى،ثم ذهب،ثم قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل،ثم قال اللهم إنى قد نهيتهم فلم يطيعوني،و لو سببتهم لسبونى
[١] الذاريات:٥٠.