إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - بيان
يفهم ترقى العبد في درجات القرب،فكلما صار أكمل صفة،و أتم علما و إحاطة بحقائق الأمور،و أثبت قوة في قهر الشيطان و قمع الشهوات،و أظهر نزاهة عن الرذائل،صار أقرب من درجة الكمال،و منتهى الكمال للّٰه،و قرب كل واحد من اللّٰه تعالى بقدر كماله.نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ،و على مساواته،و على مجاوزته،و ذلك في حق اللّٰه محال،فإنه لا نهاية لكماله،و سلوك العبد في درجات الكمال متناه،و لا ينتهى إلا إلى حد محدود،فلا مطمع له في المساواة ثم درجات القرب تتفاوت تفاوتا لا نهاية له أيضا لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال فإذا محبة اللّٰه للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل و المعاصي عنه،و تطهير باطنه عن كدورات الدنيا،و رفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه.و أما محبة العبد للّٰه فهو ميله إلى درك هذا الكمال الذي هو مفلس عنه،فاقد له،فلا جرم يشتاق إلى ما فاته، و إذا أدرك منه شيئا يلتذ به،و الشوق و المحبة بهذا المعنى محال على اللّٰه تعالى فإن قلت:محبة اللّٰه للعبد أمر ملتبس،فبم يعرف العبد أنه حبيب اللّٰه فأقول:يستدل عليه بعلاماته.و قد قال صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«إذا أحب اللّٰه عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه»قيل و ما افتناه؟قال«لم يترك له أهلا و لا مالا» فعلامة محبة اللّٰه للعبد أن يوحشه من غيره،و يحول بينه و بين غيره،قيل لعيسى عليه السلام.لم لا تشترى حمارا فتركبه؟فقال أنا أعز على اللّٰه تعالى من أن يشغلني عن نفسه بحمار.و في الخبر[٢]«إذا أحب اللّٰه عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه» و قال بعض العلماء.إذا رأيتك تحبه،و رأيته يبتليك،فاعلم أنه يريد يصافيك.و قال بعض المريدين لأستاذه.قد طولعت بشيء من المحبة.فقال يا بني،هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه؟قال لا.قال فلا تطمع في المحبة،فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبلوه.و قد قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم[٣]«إذا أحب اللّٰه عبدا جعل له واعظا من نفسه و زاجرا من قلبه