إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤ - بيان
و قد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب،بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدة،و الرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا،و ملازمة البلاد و الأمصار، أو ملازمة البوادي التي لا تحلو عن حشيش و ما يجرى مجراه،فهذه كلها أسباب البقاء، و لكن مع نوع من الأذى،إذ لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر.و التوكل في الأمصار أقرب إلى الأسباب من التوكل في البوادي و كل ذلك من الأسباب، إلا أن الناس عدلوا إلى أسباب أظهر منها،فلم يعدّوا تلك أسبابا،و ذلك لضعف إيمانهم،و شدة حرصهم، و قلة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة،و استيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظن و طول الأمل و من نظر في ملكوت السموات و الأرض انكشف له تحقيقا أن اللّه تعالى دبر الملك و الملكوت تدبيرا لا يجاوز العبد رزقه و إن ترك الاضطراب،فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه رزقه.أما ترى الجنين في بطن أمه لما أن كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته بالأم حتى تنتهي إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرّة،و لم يكن ذلك بحيلة الجنين.
ثم لما انفصل سلط الحب و الشفقة على الأم لتتكفل به شاءت أم أبت،اضطرارا من اللّه تعالى إليه بما أشعل في قلبها من نار الحب.ثم لما لم يكن له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج إلى المضغ.و لأنه لرخارة مزاجه كان لا يحتمل الغداء الكثيف فأدرّ له اللبن اللطيف في ثدي الأم عند انفصاله على حسب حاجته،أ فكان هذا بحيلة الطفل أو بحيلة الأم؟ فإذا صار بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع و طواحين لأجل المضغ. فإذا كبر و استقل يسر له أسباب التعلم و سلوك سبيل الآخرة.فجنبه بعد البلوغ جهل محض،لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه بل زادت،فإنه إن لم يكن قادرا على الاكتساب فالآن قد قدر فزادت قدرته.نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا و هي الأم أو الأب،و كانت شفقته مفرطة جدا،فكان يطعمه و بسقيه في اليوم مرة أو مرتين،و كان إطعامه بتسليط اللّه تعالى الحب و الشفقة على قلبه،فكذلك قد سلط اللّه الشفقة،و المودة و الرقة،و الرحمة على قلوب المسلمين،بل أهل البلد كافة،حتى أن كل واحد منهم إذا أحس بمحتاج تألم قلبه و رقّ عليه،و انبعث له داعية إلى إزالة حاجته.فقد كان المشفق عليه واحدا و الآن المشفق عليه ألف و زيادة،و قد كانوا لا يشفقون عليه لأنهم رأوه في كفارة الأم و الأب