إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨١ - بعض عجائب قدرة اللّٰه في خلق البعوضة
و عرفه أن غذاءه دم الإنسان،ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان،و كيف خلق له الخرطوم الطويل و هو محدود الرأس،و كيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها،ثم كيف قواه حتى يغرز فيه الخرطوم، و كيف علمه المص و التجرع للدم،و كيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفا حتى يجرى فيه الدم الرقيق و ينتهى إلى باطنه، و ينتشر في سائر أجزائه و يغذيه،ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب و استعداد آلته،و خلق له السمع الذي يسمع به خفيف حركة اليد و هي بعد بعيدة منه فيترك المص و يهرب،ثم إذا سكنت اليد يعود، ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه،و انظر إلى أن حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره،و كانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى و الغبار،خلق للبعوض و الذباب يدبن،فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه،و أما الإنسان و الحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما على الآخر،و أطرافهما حادة، فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة و يرميه إلى أطراف الأهداب،و خلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين،و تعين على الإبصار،و تحسن صورة العين، و تشبكها عند هيجان الغبار، فينظر من وراء شباك الأهداب،و اشتباكها يمنع دخول الغبار و لا يمنع الإبصار.و أما البعوض فخلق لها حدقتين مصقلتين من غير أجفان،و علمها كيفية التصقيل باليدين،و لأجل ضعف أبصارها تراها تتهافت على السراج،لأن بصرها ضعيف،فهي تطلب ضوء النهار،فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم،و أن السراج كوة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء،و يرمى بنفسه إليه،فإذا جاوزه و رأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة و لم يقصدها على السداد،فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق.
و لعلك تظن أن هذا لنقصانها و جهلها،فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها.بل صورة الآدمي في الإكباب على شهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار،إذ تلوح للآدمي أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها،و لا يدرى أن تحتها السم الناقع القاتل،فلا يزال يرمى نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها،و يتقيد بها،و يهلك هلاكا مؤبدا