إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٧ - أحدهما قطع علائق الدنيا و إخراج حب غير اللّه من القلب،
أحدهما:قطع علائق الدنيا و إخراج حب غير اللّه من القلب،
فإن القلب مثل الإناء الذي لا يتسع للخل مثل ما لم يخرج منه الماء (مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [١]) و كمال الحب في أن يحب اللّه عز و جل بكل قلبه،و ما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره.فبقدر ما يشغل بغير اللّٰه ينقص منه حب اللّه.و بقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل المصبوب فيه.و إلى هذا التفريد و التجريد الإشارة بقوله تعالى (قُلِ اللّٰهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ [٢]) و بقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا [٣]) بل هو معنى قولك لا إله إلا اللّه،أي لا معبود و لا محبوب سواه، فكل محبوب فإنه معبود فإن العبد هو المقيد،و المعبود هو المقيد به،و كل محب فهو مقيد بما يحبه.و لذلك قال اللّه تعالى (أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ [٤]) و قال صلى اللّه عليه و سلم«أبغض إله عبد في الأرض الهوى»و لذلك قال عليه السلام[١]«من قال لا إله إلاّ اللّٰه مخلصا دخل الجنّة» و معنى الإخلاص أن يخلص قلبه للّٰه،فلا يبقى فيه شرك لغير اللّه فيكون اللّه محبوب قلبه،و معبود قلبه،و مقصود قلبه فقط و من هذا حاله فالدنيا سجنه،لأنها مانعة له من مشاهدة محبوبه.و موته خلاص من السجن و قدوم على المحبوب.فما حال من ليس له إلا محبوب واحد،و قد طال إليه شوقه،و تمادى عنه حبسه،فخلى من السجن،و مكن من المحبوب،و روّح بالأمن أبد الآباد؟ فأحد أسباب ضعف حب اللّه في القلوب قوّة حب الدنيا،و منه حب الأهل،و المال، و الولد،و الأقارب،و العقار،و الدواب،و البساتين،و المنتزهات،حتى أن المتفرح بطيب أصوات الطيور و روح نسيم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا،و متعرض لنقصان حب اللّه تعالى بسببه.فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنه باللّه،و لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا و ينقص بقدره من الآخرة بالضرورة،كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا و يبعد بالضرورة من المغرب بقدره،و لا يطيب قلب امرأته إلا و يضيق به قلب ضرتها.فالدنيا و الآخرة ضرتان،و هما كالمشرق و المغرب، و قد انكشف ذلك لذوي القلوب انكشافا
[١] الأحزاب:٤
[٢] الأنعام:٩١
[٣] الاحقاف:١٣
[٤] الفرقان:٤٣