إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦ - بيان
فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة و معنى العشق،فإنه المحبة المفرطة القوية.و معنى لذة المعرفة، و معنى الرؤية،و معنى لذة الرؤية،و معنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوي العقول و الكمال و إن لم تكن كذلك عند ذوي النقصان،كما لم تكن الرئاسة ألذ من المطعومات عند الصبيان فإن قلت:فهذه الرؤية محلها القلب أو العين في الآخرة؟ فاعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك.و أرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف و لا ينظرون فيه،بل العاقل يأكل البقل و لا يسأل عن المبقلة، و من يشتهي رؤية معشوقه يشغله عشقه عن أن يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه أو في جبهته،بل يقصد الرؤية و لذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها،فإن العين محل و ظرف لا نظر إليه و لا حكم له.و الحق فيه أن القدرة الأزلية واسعة،فلا يجوز أن نحكم عليها بالقصور عن أحد الأمرين،هذا في حكم الجواز.فأما الواقع في الآخرة من الجائزين فلا يدرك إلا بالسمع،و الحق ما ظهر لأهل السنة و الجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين[١]ليكون لفظ الرؤية و النظر و سائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة و اللّه تعالى أعلم
بيان
(الأسباب المقوية لحب اللّه تعالى)
اعلم أن أسعد الخلق حالا في الآخرة أقواهم حبا للّٰه تعالى،فإن الآخرة معناها القدوم على اللّه تعالى و درك سعادة لقائه،و ما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه و تمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير منغص و مكدّر،و من غير رقيب و مزاحم و من غير خوف انقطاع إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب.فكلما ازدادت المحبة ازدادت اللذة.و إنما يكتسب العبد حب اللّه تعالى في الدنيا و أصل الحب لا ينفك عنه مؤمن،لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة.و أما قوّة الحب و استيلاؤه حتى ينتهى إلى الاستهتار الذي يسمى عشقا،فذلك ينفك عنه الأكثرون.
و إنما يحصل ذلك بسببين