إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٩ - و أما السبب الرابع و هو حب كل جميل لذات الجمال،
و ليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه اللّه،و ليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإن منتهى الكمال أقل درجاته أن لا يكون عبدا مسخرا لغيره،قائما بغيره،و ذلك محال في حق غيره،فهو المنفرد بالكمال،المنزه عن النقص،المقدس عن العيوب و شرح وجوه التقدس و التنزه في حقه عن النقائص بطول،و هو من أسرار علوم المكاشفات،فلا نطول بذكره فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا و جمالا محبوبا،فلا تتم حقيقته إلاّ له،و كمال غيره،و تنزهه لا يكون مطلقا،بل بالإضافة إلى ما هو أشد منه نقصانا،كما أن للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار،و للإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس.و أصل النقص شامل للكل،و إنما يتفاوتون في درجات النقصان.فإذا الجميل محبوب،و الجميل المطلق هو الواحد الذي لا ندّ له،الفرد الذي لا ضدّ له،الصمد الذي لا منازع له،الغني الذي لا حاجة له،القادر الذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد،لا راد لحكمه،و لا معقب لقضائه،العالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و الأرض،القاهر الذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة، و لا ينفلت من سطوته و بطشه رقاب القياصرة،الأزلي الذي لا أول لوجوده،الأبدي الذي لا آخر لبقائه،الضروري الوجود الذي لا يحوم إمكان العدم حول حضرته،القيوم الذي يقوم بنفسه و يقوم كل موجود به،جبار السموات و الأرض،خالق الجماد و الحيوان و النبات،المنفرد بالعزة و الجبروت،المتوحد بالملك و الملكوت،ذو الفضل و الجلال، و البهاء و الجمال،و القدرة و الكمال، الذي تتحير في معرفة جلاله العقول،و تخرس في وصفه الألسنة،الذي كمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته،و منتهى نبوة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه،كما قال سيد الأنبياء صلوات اللّه عليه و عليهم أجمعين[١]«لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» و قال سيد الصديقين رضي اللّه تعالى عنه:
العجز عن درك الإدراك إدراك،سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته فليت شعري من ينكر إمكان حب اللّه تعالى تحقيقا و يجعله مجازا،أ ينكر أن هذه الأوصاف من أوصاف الجمال و المحامد،و نعوت الكمال و المحاسن،أو ينكر كون اللّه تعالى موصوفا بها؟أو ينكر كون الكمال و الجمال،و البهاء و العظمة،محبوبا بالطبع عند من أدركه؟