إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٨ - و أما السبب الرابع و هو حب كل جميل لذات الجمال،
بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى،و لسانه من الخرس،و أذنه من الصمم،و بدنه من المرض.و لا يحتاج إلى عدّ ما يعجز عنه في نفسه و غيره مما هو على الجملة متعلق قدرته، فضلا عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت السموات،و أفلاكها،و كواكبها،و الأرض و جبالها،و بحارها،و رياحها،و صواعقها،و معادنها،و نباتها،و حيواناتها،و جميع أجزائها فلا قدرة له على ذرة منها.و ما هو قادر عليه من نفسه و غيره فليست قدرته من نفسه و بنفسه،بل اللّه خالقه و خالق قدرته،و خالق أسبابه،و الممكن له من ذلك.و لو سلط بعوضا على أعظم ملك و أقوى شخص من الحيوانات لأهلكه، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه،كما قال في أعظم ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال (إِنّٰا مَكَّنّٰا لَهُ فِي الْأَرْضِ [١]) فلم يكن جميع ملكه و سلطنته إلا بتمكين اللّه تعالى إياه في جزء من الأرض،و الأرض كلها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم،و جميع الولايات التي يحظى بها الناس من الأرض غبرة من تلك المدرة،ثم تلك الغبرة أيضا من فضل اللّه تعالى و تمكينه فيستحيل أن يحب عبدا من عباد اللّه تعالى لقدرته،و سياسته،و تمكينه،و استيلائه،و كمال قوته،و لا يحب اللّه تعالى لذلك،و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم،فهو الجبار القاهر،و العليم القادر، السموات مطويات بيمينه،و الأرض و ملكها و ما عليها في قبضته،و ناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته،إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه و ملكه ذرة،و إن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعي بخلقها،و لا يمسه لغوب و لا فتور في اختراعها،فلا قدرة و لا قادر إلا و هو أثر من آثار قدرته،فله الجمال و البهاء،و العظمة و الكبرياء،و القهر و الاستيلاء فإن كان يتصور أن يحب قادر لكمال قدرته فلا يستحق الحب بكمال القدرة سواه أصلا و أما صفة التنزه عن العيوب و النقائص،و التقدس عن الرذائل و الخبائث،فهو أحد موجبات الحب،و مقتضيات الحسن و الجمال في الصور الباطنة.و الأنبياء و الصديقون و إن كانوا منزهين عن العيوب و الخبائث فلا يتصور كمال التقدس و التنزه إلا للواحد الحق الملك القدوس،ذى الجلال و الإكرام.و أما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص و عن نقائص بل كونه عاجزا،مخلوقا،مسخرا،مضطرا،هو عين العيب و النقص، فالكمال للّٰه وحده
[١] الكهف:٨٤