إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٧ - و أما السبب الرابع و هو حب كل جميل لذات الجمال،
أما العلم فأين علم الأولين و الآخرين من علم اللّه تعالى الذي يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية،حتى لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات و لا في الأرض و قد خاطب الخلق كلهم فقال عز و جل (وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً [١]) بل لو اجتمع أهل الأرض و السماء على أن يحيطوا بعلمه و حكمته في تفصيل خلق نملة أو بعوضة لم يطلعوا على عشر عشير ذلك،و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء،و القدر اليسير الذي علمه الخلائق كلهم فبتعليمه علموه،كما قال تعالى (خَلَقَ الْإِنْسٰانَ عَلَّمَهُ الْبَيٰانَ [٢]) فإن كان جمال العلم و شرفه أمرا محبوبا،و كان هو في نفسه زينة و كمالا للموصف به،فلا ينبغي أن يحب بهذا السبب إلا اللّه تعالى.فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه.بل من عرف أعلم أهل زمانه و أجهل أهل زمانه، استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل و يترك الأعلم،و إن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما،تتقاضاه معيشته.و التفاوت بين علم اللّه و بين علم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلائق و أجهلهم، لأن الأعلم لا يفضل الأجهل إلا بعلوم معدودة متناهية،يتصور في الأمكان أن ينالها الأجهل بالكسب و الاجتهاد و فضل علم اللّه تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية،إذ معلوماته لا نهاية لها،و معلومات الخلق متناهية و أما صفة القدرة فهي أيضا كمال،و العجز نقص،فكل كمال،و بهاء،و عظمة،و مجد، و استيلاء،فإنه محبوب،و إدراكه لذيذ،حتى أن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة علي و خالد رضي اللّه تعالى عنهما،و غيرهما من الشجعان،و قدرتهما و استيلاءهما على الأقران، فيصادف في قلبه اهتزازا،و فرحا،و ارتباطا ضروريا بمجرد لذة السماع فضلا عن المشاهدة، و يورث ذلك حبا في القلب ضروريا للمتصف به،فإنه نوع كمال.فانسب الآن قدرة الخلق كلهم إلى قدرة اللّه تعالى،فأعظم الأشخاص قوة و أوسعهم ملكا،و أقواهم بطشا،و أقهرهم للشهوات،و أقمعهم لخبائث النفس،و أجمعهم للقدرة على سياسة نفسه و سياسة غيره، ما منتهى قدرته؟ و إنما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه،و على بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور.و هو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا،و لا حياة،و لا نشورا،و لا ضرا،و لا نفعا
[١] الاسراء:٨٥
[٢] الرحمن:٣،٤