إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - و أما السبب الثاني و هو حبه من أحسن إليه،
فواسطة يصل بها إحسان اللّه إليك،و صاحب اليد مضطر في ذلك اضطرار مجرى الماء في جريان الماء فيه،فإن اعتقدته محسنا أو شكرته من حيث هو بنفسه محسن،لا من حيث هو واسطة كنت جاهلا بحقيقة الأمر،فإنه لا يتصور الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه أما الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين،لأنه لا يبذل ماله إلا لغرض له في البذل،إما آجل و هو الثواب،و إما عاجل و هو المنّة و الاستسخار،أو الثناء و الصيب،و الاشتهار بالسخاء و الكرم،أو جذب قلوب الخلق إلى الطاعة و المحبة،و كما أن الإنسان لا يلقى ماله في البحر،إذ لا غرض له فيه،فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه،و ذلك الغرض هو مطلوبه و مقصده،و أما أنت فلست مقصودا،بل يدك آلة له في القبض حتى يحصل غرضه من الذكر و الثناء أو الشكر أو الثواب،بسبب قبضك المال،فقد استسخرك في القبض للتوصل إلى غرض نفسه.فهو إذا محسن إلى نفسه،و معتاض عما بذله من ماله عوضا هو أرجح عنده من ماله،و لو لا رجحان ذلك الحظ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلا البتة فإذا هو غير مستحق للشكر و الحب من وجهين أحدهما:أنه مضطر بتسليط اللّه الدواعي عليه،فلا قدرة له على المخالفة،فهو جار مجرى خازن الأمير،فإنه لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع عليه،لأنه من جهة الأمير مضطر إلى الطاعة،و الامتثال لما يرسمه،و لا يقدر على مخالفته.و لو خلاه الأمير و نفسه لما سلم ذلك،فكذلك كل محسن لو خلاه اللّه و نفسه لم يبذل حبّة من ماله،حتى سلط اللّه الدواعي عليه و ألقى في نفسه أن حظه دينا و دنيا في بذله فبذله لذلك و الثاني:أنه معتاض عما بذله حظا هو أو في عنده و أحب مما بذله،فكما لا يعد البائع محسنا لأنه بذل بعوض هو أحب عنده مما بذله،فكذلك الواهب،اعتاض الثواب أو الحمد و الثناء أو عوضا آخر،و ليس من شرط العوض أن يكون عينا متمولا،بل الحظوظ كلها أعواض تستحقر الأموال و الأعيان بالإضافة إليها،فالإحسان في الجود،و الجود هو بذل المال من غير عوض و حظ يرجع إلى الباذل و ذلك محال من غير اللّه سبحانه،فهو الذي أنعم على العالمين إحسانا إليهم،و لأجلهم،لا لحظو غرض يرجع إليه،فإنه يتعالى عن الأغراض فلفظ الجود و الإحسان في حق غيره كذب أو مجاز،و معناه في حق غيره محال و ممتنع امتناع