إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٦ - بيان
نهى عنه.و من حيث إنه يقصد به الصحة ليستعان بها على المعاصي،و ذلك منهي عنه.
و المؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك.و أحد من المؤمنين لا يرى الدواء نافعا بنفسه.بل من حيث إنه جعله اللّه تعالى سببا للنفع،كما لا يرى الماء مرويا،و لا الخبز مشبعا.فحكم التداوي في مقصوده كحكم الكسب،فإنه إن اكتسب للاستعانة على الطاعة أو على المعصية كان له حكمها.و إن اكتسب للتنعم المباح فله حكمه فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال،و أن التداوي قد يكون أفضل في بعض، و أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال،و الأشخاص،و النيات،و أن واحدا من الفعل و الترك ليس شرطا في التوكل و كل إلا ترك الموهومات كالكى و الرقي،فإن ذلك تعمق في التدبيرات لا يليق بالمتوكلين
بيان
أحوال المتوكلين في إظهار المرض و كتمانه
اعلم أن كتمان المرض و إخفاء الفقر و أنواع البلاء من كنوز البر،و هو من أعلى المقامات، لأن الرضا بحكم اللّه و الصبر على بلائه معاملة بينه و بين اللّه عز و جل،فكتمانه أسلم عن الآفات و مع هذا فالإظهار لا بأس به إذا صحت فيه النية و المقصد.و مقاصد الإظهار ثلاثة الأوّل:أن يكون غرضه التداوي،فيحتاج إلى ذكره للطبيب،فيذكره لا في معرض الشكاية بل في معرض الحكاية لما ظهر،عليه من قدرة اللّٰه تعالى.فقد كان بشر يصف لعبد الرحمن المطبب أو جاعه و كان أحمد بن حنبل يخبر بأمراض يجدها و يقول:إنما أصف قدرة اللّه تعالى فيّ الثاني:أن يصف لغير الطبيب و كان ممن يقتدى به، و كان مكينا في المعرفة فأراد من ذكره أن يتعلم منه حسن الصبر في المرض،بل حسن الشكر بأن يظهر أنه يرى أن المرض نعمة فيشكر عليها،فيتحدث به كما يتحدث بالنعم.قال الحسن البصري:إذا حمد المريض اللّه تعالى و شكره،ثم ذكر أو جاعه،لم يكن ذلك شكوى الثالث:أن يظهر بذلك عجزه و افتقاره إلى اللّه تعالى،و ذلك يحسن ممن تليق به القوة و الشجاعة و يستبعد منه العجز،كما روي أنه قيل لعليّ في مرضه رضي اللّه عنه.كيف أنت؟ قال بشرّ.فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك،و ظنوا أنه شكاية فقال.أتجلّد على اللّه.فأحب أن يظهر عجزه و افتقاره مع ما علم به من القوة و الضرارة،و تأدب فيه بأدب النبي