إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣ - بيان
ترك الحجامة و الفصد عند تبيغ الدم.فإن قيل:إن ذلك أيضا شرط،فليكن من شرطه أن تلدغه العقرب أو الحية فلا ينحيها عن نفسه،إذ الدم يلدغ الباطن،و العقرب تلدغ الظاهر، فأي فرق بينهما.فإن قال.و ذلك أيضا شرط التوكل،فيقال ينبغي أن لا يزيل لدغ العطش بالماء و لدغ الجوع بالخبز،و لدغ البرد بالجبة.و هذا لا قائل به.و لا فرق بين هذه الدرجات فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه و تعالى،و أجرى بها سنته و يدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر رضي اللّه عنه،و عن الصحابة في قصة الطاعون،فإنهم لما قصدوا الشام،و انتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتا عظيما و وباء ذريعا.فافترق الناس فرقتين.فقال بعضهم لا ندخل على الوباء،فنلقي بأيدينا إلى التهلكة،و قالت طائفة أخرى بل ندخل و نتوكل،و لا نهرب من قدر اللّه تعالى،و لا نفر من الموت فنكون،كمن قال اللّه تعالى فيهم (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [١]) فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه،فقال نرجع و لا ندخل على الوباء،فقال له المخالفون في رأيه.أ نفرّ من قدر اللّه تعالى؟قال عمر:نعم نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه.ثم ضرب لهم مثلا فقال.أ رأيتم لو كان لأحدكم غنم،فهبط واديا له شعبتان إحداهما مخصبة،و الأخرى مجدبة.أ ليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر اللّه تعالى،و إن رعى المجدبة رعاها بقدر اللّه تعالى؟فقالوا نعم.ثم طلب عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن رأيه و كان غائبا،فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك،فقال عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.فقال عمر.اللّه أكبر:فقال عبد الرحمن [١]سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقول«إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع في أرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه»ففرح عمر رضي اللّه عنه بذلك و حمد اللّه تعالى إذ وافق رأيه،و رجع من الجابية بالناس. فإذا كيف اتفق الصحابة
[١] البقرة:٢٤٣