إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠ - الخامس و هو أقل الدرجات،أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ
لا أزال حزينا إلى يوم القيامة.قلت و لم؟قال إلى لما رأيت منازلى في الجنة،رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت،ففرحت بها،فلما هممت بدخولها نادى مناد من فوقها صرفوه عنها،فليست هذه له،إنما هي لمن أمضى السبيل فقلت و ما إمضاء السبيل؟فقيل لي كنت تقول للشيء إنه في سبيل اللّه،ثم ترجع فيه.فلو كنت أمضيت السبيل لأمضينا لك و حكي عن بعض العباد بمكة أنه كان نائما إلى جنب رجل معه هميانه،فانتبه الرجل ففقد هميانه،فاتهمه به.فقال له كم كان في هميانك؟فذكر له.فحمله إلى البيت و وزنه من عنده ثم بعد ذلك أعلمه أصحابه أنهم كانوا أخذوا الهميان مزحا معه، فجاء هو و أصحابه معه،وردوا الذهب،فأبى و قال:خذه حلالا طيبا،فما كنت لأعود في مال أخرجته في سبيل اللّه عز و جل،فلم يقبل،فألحوا عليه،فدعا ابنا له،و جعل يصره صررا و يبعث بها إلى الفقراء، حتى لم يبق منه شيء.فهكذا كانت أخلاق السلف.و كذلك من أخذ رغيفا ليعطيه فقيرا فعاب عنه؛كان يكره رده إلى البيت بعد إخراجه،فيعطيه فقيرا آخر.و كذلك يفعل في الدراهم و الدنانير و سائر الصدقات
الخامس:و هو أقل الدرجات،أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ
فإن فعل بطل توكله،و دل ذلك على كراهته و تأسفه على ما فات،و بطل هذه.و لو بالغ فيه بطل أجره أيضا فيما أصيب به. ففي الخبر[١]«من دعا على ظالمه فقد انتصر» و حكي أن الربيع بن خثيم سرق فرس له،و كان قيمته عشرين ألفا و كان قائما يصلى فلم يقطع صلاته،و لم ينزعج لطلبه.فجاءه قوم يعزونه فقال أما إنى قد كنت رأيته و هو يحله.قيل و ما منعك أن تزجره؟قال كنت فيما هو أحب إليّ من ذلك،يعنى الصلاة فجعلوا يدعون عليه،فقال لا تفعلوا و قولوا خيرا،فإنى قد جعلتها صدقة عليه و قيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له:ألا تدعو على ظلمك؟قال ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه.قيل أ رأيت لو ردّ عليك؟قال لا آخذه و لا أنظر إليه،لأني كنت قد أحللته له و قيل لآخر.ادع اللّه على ظلك.فقال ما ظلمني أحد.ثم قال إنما ظلم نفسه.ألا يكفيه المسكين ظلم نفسه حتى أزيده شرا! و أكثر بعضهم شتم الحجاج عند بعض السلف