إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٨ - الصدق الأول صدق اللسان
الصدق الأول:صدق اللسان.
و ذلك لا يكون إلا في الأخبار.أو فيما يتضمن الأخبار و ينبه عليه،و الخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل،و فيه يدخل الوفاء بالوعد و الخلف فيه.و حق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه،فلا يتكلم إلا بالصدق،و هذا هو أشهر أنواع الصدق و أظهرها.فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق و لكن لهذا الصدق كما لان. أحدهما:الاحتراز عن المعاريض،فقد قيل:في المعاريض مندوحة عن الكذب .و ذلك لأنها تقوم مقام الكذب،إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه في نفسه.إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة،و تقتضيه المصلحة في بعض الأحوال،و في تأديب الصبيان و النسوان و من يجرى مجراهم،و في الحذر عن الظلمة،و في قتال الأعداء و الاحتراز عن اطلاعهم على أسرار الملك فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به و يقتضيه الدين،فإذا نطق به فهو صادق و إن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه،لأن الصدق ما أريد لذاته،بل للدلالة على الحق و الدعاء إليه،فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا[١]كان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم إذا توجه إلى سفر ورى بغيره ،و ذلك كي لا ينتهى الخبر إلى الأعداء فيقصد.و ليس هذا من الكذب في شيء.قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم [٢]«ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا»و رخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع:من أصلح بين اثنين،و من كان له زوجتان،و من كان في مصالح الحرب. و الصدق هاهنا يتحول إلى النية،فلا يراعى فيه إلا صدق النية و إرادة الخير فمهما صح قصده،و صدقت نيته.و تجردت للخير إرادته،صار صادقا و صديقا كيفما كان لفظه ثم التعريض فيه أولى. و طريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة و هو في داره،فقال لزوجته.خطي بإصبعك دائرة،وضعى الإصبع على الدائرة،و قولي ليس