إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٥ - فضيلة الصدق
و هكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة.و لذلك قال سفيان رحمه اللّٰه:لا أعتد بما ظهر من عملي.و قال عبد العزيز بن أبي رواد:جاورت هذا البيت ستين سنة،و حججت ستين حجة،فما دخلت في شيء من أعمال اللّٰه تعالى إلا و حاسبت نفسي،فوجدت نصيب الشيطان أو في من نصيب اللّٰه ليته لا لي و لا علي .و مع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة و الرياء،فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه،إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص.و مهما ترك العمل فقد ضيع العمل و الإخلاص جميعا.و قد حكي أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد الخراز و يخف في أعماله،فتكلم أبو سعيد في الإخلاص يوما يريد إخلاص الحركات،فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند كل حركة و يطالبه بالإخلاص.فتعذر عليه قضاء الحوائج،و استضر الشيخ بذلك،فسأله عن أمره،فأخبره بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص،و أنه يعجز عنها في أكثر أعماله فيتركها.فقال أبو سعيد:لا تفعل،إذ الإخلاص لا يقطع المعاملة،فواظب على العمل،و اجتهد في تحصيل الإخلاص،فما قلت لك اترك العمل،و إنما قلت لك أخلص العمل. و قد قال الفضيل:ترك العمل بسبب الخلق رياء،و فعله لأجل الخلق شرك
الباب الثالث
في الصدق و فضيلته و حقيقته
فضيلة الصدق
قال اللّٰه تعالى (رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ [١]) و قال النبي صلى اللّٰه عليه و سلم [١]«إن الصدق يهدى إلى البر و البر يهدى إلى الجنة و إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللّٰه صديقا و إن الكذب يهدى إلى الفجور و الفجور يهدى إلى النار و إن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللّٰه كذابا» و يكفي في فضيلة الصدق أن الصديق مشتق منه ،و اللّٰه تعالى وصف الأنبياء في معرض
[١] الأحزاب:٢٣