إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٢ - بيان
و لقوله تعالى (إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَظْلِمُ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضٰاعِفْهٰا [١]) فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير،بل إن كان غالبا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه و بقيت زيادة،و إن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد و كشف الغطاء عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها،فداعية الرياء من المهلكات،و إنما غذاء هذا المهلك و قوته العمل على و فقه،و داعية الخير من المنجيات، و إنما قوتها بالعمل على وفقها.فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان،فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوى تلك الصفة،و إذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب، فقد قوى أيضا تلك الصفة،و أحدهما مهلك،و الآخر منج،فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما،فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره ،ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما،و إن كان أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثر، فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام و الشراب و الأدوية،و لا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة اللّٰه تعالى،فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير و الشر،و لا ينفك عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده و في تقريبه من اللّٰه،أو إبعاده فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده،فقد عاد إلى ما كان،فلم يكن له و لا عليه.و إن كان الفعل مما يقربه شبرين،و الآخر يبعده شبرا واحدا فضل له لا محالة شبر.و قد قال النبي صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«أتبع السيئة الحسنة تمحها»فإذا كان المحض يمحوه الإخلاص المحض عقبيه،فإذا اجتمعا جميعا فلا بد و أن يتدافعا بالضرورة و يشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا و معه تجارة،صح حجه و أثيب عليه، و قد امتزج به حظ من حظوظ النفس.نعم يمكن أن يقال:إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة،و تجارته غير موقوفة عليه،فهو خالص و إنما المشترك طول المسافة، و لا ثواب فيه مهما قصد التجارة.و لكن الصواب أن يقال:مهما كان الحج هو المحرك الأصلي،و كان غرض التجارة كالمعين و التابع،فلا ينفك نفس السفر عن ثواب .
[١] النساء:٥٠