إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٠ - بيان
و هو عين المكر و الخداع،فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة،و لكان لا يختص حضورها بحالة حضور غيره،و علامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة،كما يألفه في الملإ و لا يكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر،كما لا يكون حضور البهيمة سببا،فما دام يفرق في أحواله بين مشاهدة إنسان و مشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص،مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء،و هذا[١]الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء،على الصخرة الصماء،كما ورد به الخبر،و لا يسلم من الشيطان إلا من دق نظره،و سعد بعصمة اللّٰه تعالى و توفيقه و هدايته،و إلا فالشيطان ملازم للمتشمرين لعبادة اللّٰه تعالى،لا يغفل عنهم لحظة حتى يحملهم على الرياء في كل حركة من الحركات،حتى في كحل العين،و قص الشارب،و طيب يوم الجمعة،و لبس الثياب ،فإن هذه سنن في أوقات مخصوصة،و للنفس فيها حظ خفي،لارتباط نظر الخلق بها و لاستئناس الطبع بها،فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك،و يقول هذه سنة لا ينبغي أن تتركها،و يكون انبعاث القلب باطنا لها،لأجل تلك الشهوة الخفية ،أو مشوبة بها شوبا يخرج عن حد الإخلاص بسببه، و ما لا يسلم عن هذه الآفات كلها فليس بخالص،بل من يعتكف في مسجد معمور نظيف حسن العمارة يأنس إليه الطبع،فالشيطان يرغبه فيه و يكثر عليه من فضائل الاعتكاف و قد يكون المحرك الخفي في سره هو الأنس بحسن صورة المسجد،و استراحة الطبع إليه،و يتبين ذلك في ميله إلى أحد المسجدين،أو أحد الموضعين إذا كان أحسن من الآخر و كل ذلك امتزاج بشوائب الطبع،و كدورات النفس،و مبطل حقيقة الإخلاص،لعمري الغش الذي يمزج بخالص الذهب له درجات متفاوتة،فمنها ما يغلب،و منها ما يقل لكن يسهل دركه،و منها ما يدق بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير،و غش القلب،و دغل الشيطان و خبث النفس،أغمض من ذلك و أدق كثيرا،و لهذا قيل:ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل ،و أريد به العالم البصير بدقائق آفات الأعمال،حتى يخلص عنها،فإن الجاهل نظره