إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٧ - بيان
يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم.و كان الصبيان يلعبون به،فكانت راحته ركود قلبه، و استقامة حاله في ذله و خموله.فهكذا حال أولياء اللّٰه تعالى.ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا.و المغرورون إنما يطلبونهم تحت المرقعات و الطيالسة،و في المشهورين بين الخلق بالعلم و الورع،و الرئاسة.و غيره اللّٰه تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم،كما قال تعالى:أوليائى تحت قبابي،لا يعرفهم غيري.و قال صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّٰه لأبره» و بالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة،و المعجبة بأنفسها،المستبشرة يعملها و علمها. و أقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة،المستشعرة ذل نفسها استشعارا إذا ذل و اهتضم لم يحس بالذل،كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه.فإذا لم يحس بالذل و لم يشعر أيضا بعدم التفاته إلى الذل،بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه،بل يرى نفسه دون ذلك،حتى صار التواضع بالطبع صفة ذات،فمثل هذا القلب يرجى له أن يستنشق مبادى هذه الروائح.فإن فقدنا مثل هذا القلب،و حرمنا مثل هذا الروح،فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله.فمن لا يقدر أن يكون من أولياء اللّٰه فليكن محبا لأولياء اللّٰه،مؤمنا بهم،فعسى أن يحشر مع من أحب و يشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام قال لبني إسرائيل:أين ينبت الزرع؟قالوا في التراب.فقال:بحق أقول لكم،لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب و لقد انتهى المريدون لولاية اللّٰه تعالى في طلب شروطها بإزلال النفس إلى منتهى الضعة و الخسة،حتى روي أن ابن الكريبي و هو أستاذ الجنيد، دعاه رجل إلى طعام ثلاث مرات،ثم كان يرده،ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك،حتى أدخله في المرة الرابعة، فسأله عن ذلك.فقال:قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة،حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد.ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود،و لو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت و عنه أيضا أنه قال:نزلت في محلة،فعرفت فيها بالصلاح،فتشتت علي قلبي،فدخلت الحمام و عدلت إلى ثياب فاخرة فسرقتها و لبستها،ثم لبست مرقعتى فوقها و خرجت، و جعلت أمشى قليلا قليلا،فلحقونى فنزعوا مرقعتى،و أخذوا الثياب،و صفعونى و أوجعونى