إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - بيان
و هذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال و المقامات،و بعضها لما سبق في الأزل من التفاضل و التفاوت في القسمة بين العباد.و قد قال تعالى وَ لَقَدْ فَضَّلْنٰا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلىٰ بَعْضٍ [١]و قال مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجٰاتٍ [٢]فكان عيسى عليه السلام من المفضلين،و لادلاله سلم على نفسه فقال وَ السَّلاٰمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [٣]و هذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس.
و أما يحيي بن زكريا عليه السلام،فإنه أقيم مقام الهيبة و الحياء،فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه فقال وَ سَلاٰمٌ عَلَيْهِ [٤]. و انظر كيف احتمل لإخوة يوسف ما فعلوه بيوسف،و قد قال بعض العلماء:قد عددت من أول قوله تعالى إِذْ قٰالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلىٰ أَبِينٰا مِنّٰا [٥]إلى رأس العشرين من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفا و أربعين خطيئة،بعضها أكبر من بعض.و قد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث و الأربع،فغفر لهم و عفا عنهم، و لم يحتمل العزيز في مسألة واحدة سأل عنها في القدر، حتى قيل محي من ديوان النبوة و كذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء،فأكل الدنيا بالدين،فلم يحتمل له ذلك.
و كان آصف من المسرفين،و كانت معصيته في الجوارح،فعفا عنه.فقد روي أن اللّٰه تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام.يا رأس العابدين،و يا ابن محجة الزاهدين،إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف،و أنا أحلم عليه مرة بعد مرة؟فو عزتي و جلالي.لئن أخذته عصفة من عصفاتى عليه،لأتركنه مثلة لمن معه،و نكالا لمن بعده.فلما دخل آصف على سليمان عليه السلام،أخبره بما أوحى اللّٰه تعالى إليه،فخرج حتى علا كثيبا من رمل،ثم رفع رأسه و يديه نحو السماء و قال إلهى و سيدي.
أنت أنت،و أنا أنا،فكيف أتوب إن لم تتب علي،و كيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن.
فأوحى اللّٰه تعالى إليه.صدقت يا آصف،أنت أنت،و أنا أنا،أستقبل التوبة،و قد تبت عليك،و أنا التواب الرحيم. و هذا كلام مدل به عليه،و هارب منه إليه،و ناظر به إليه و في الخبر أن اللّٰه تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة.كم من ذنب واجهتنى به غفرته لك،قد أهلكت في دونه أمة من الأمم
[١] الاسراء:٥٥
[٢] البقرة:٢٥٣
[٣] مريم:٣٣
[٤] مريم:١٥
[٥] يوسف:٨