إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧ - بيان
ابن أدهم نزل من الجبل،فقيل له:من أين أقبلت؟فقال من الأنس بالله.و ذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير اللّٰه.بل كل ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب،كما روي أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه،مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغشيان،لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب و عذوبة ذكره،فيخرج من القلب عذوبة ما سواه.و لذلك قال بعض الحكماء في دعائه:يا من آنسني بذكره، و أوحشني من خلقه.و قال اللّٰه عز و جل لداود عليه السلام:كن لي مشتاقا،و بي مستأنسا و من سواي مستوحشا.و قيل لرابعة. بم نلت هذه المنزلة؟قالت بتركي ما لا يعنيني،و أنسي بمن لم يزل و قال عبد الواحد بن زيد:مررت براهب فقلت له.يا راهب.لقد أعجبتك الوحدة؟ فقال يا هذا،لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك.الوحدة رأس العبادة فقلت يا راهب:ما أقل ما تجده في الوحدة؟قال الراحة من مداراة الناس،و السلامة من شرهم.قلت يا راهب:متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى؟قال إذا صفا الود و خلصت المعاملة.قلت و متى يصفو الود؟قال إذا اجتمع الهم فصار هما واحدا في الطاعة و قال بعض الحكماء:عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا!عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك! فإن قلت فما علامة الأنس؟فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق، و التبرم بهم،و استهتاره بعذوبة الذكر. فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة،و مجتمع في خلوة و غريب في حضر،و حاضر في سفر،و شاهد في غيبة،و غائب في حضور،مخلط بالبدن منفرد بالقلب،مستغرق بعذوبة الذكر،كما قال علي كرم اللّٰه وجهه في وصفهم:هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر،فباشروا روح اليقين،و استلانوا ما استوعر المترفون،و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون،صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى،أولئك خلفاء اللّٰه في أرضه،و الدعاة إلى دينه. فهذا معنى الأنس بالله،و هذه علامته،و هذه شواهده و قد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس و الشوق و الحب،لظنه أن ذلك يدل على التشبيه،و جهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال للمبصرات،و لذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب، و منهم أحمد بن غالب يعرف بغلام الخليل،أنكر على الجنيد،و على