إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٥ - القول
فإنما يكرم اللّٰه تعالى.و حكي عن بعض المريدين قال:كنت قد وجدت حلاوة المناجاة في سن الإرادة، فأدمنت قراءة القرءان ليلا و نهارا،ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة.قال فسمعت قائلا يقول في المنام:إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي؟ أما تدبرت ما فيه من لطيف عتابي!قال فانتبهت و قد أشرب في قلبي محبة القرءان فما ودت إلى حالي و قال ابن مسعود:لا ينبغي أن يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرءان.فإن كان يحب القرءان فهو يحب اللّٰه عز و جل،و إن لم يكن يحب القرءان فليس يحب اللّٰه.
و قال سهل رحمة اللّٰه تعالى عليه:علامة حب اللّٰه حب القرءان،و علامة حب اللّٰه و حب القرءان حب النبي صلى اللّٰه عليه و سلم،و علامة حب النبي صلى اللّٰه عليه و سلم حب السنة،و علامة حب السنة حب الآخرة،و علامة حب الآخرة بغض الدنيا،و علامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زادا و بلغة إلى الآخرة و منها أن يكون أنسه بالخلوة و مناجاته لله تعالى و تلاوة كتابه،فيواظب على التهجد، و يغتنم هدء الليل،و صفاء الوقت بانقطاع العوائق.و أقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب،و التنعم بمناجاته.فمن كان النوم و الاشتغال بالحديث ألذ عنده و أطيب من مناجاة اللّٰه،كيف تصح محبته! قيل لإبراهيم بن أدهم و قد نزل من الجبل:من أين أقبلت؟فقال من الأنس بالله. و في أخبار داود عليه السلام:لا تستأنس إلى أحد من خلقي،فإنى إنما أقطع عنى رجلين.رجلا استبطأ ثوابي فانقطع،و رجلا نسيني فرضي بحاله،و علامة ذلك أن أكله إلى نفسه،و أن أدعه في الدنيا حيران و مهما أنس بغير اللّٰه كان بقدر أنه بغير اللّٰه مستوحشا من اللّٰه تعالى،ساقطا عن درجة محبته. و في قصة برخ،و هو العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام،أن اللّٰه تعالى قال لموسى عليه السلام.إن برخا نعم العبد هو لي،إلا أن فيه عيبا.قال يا رب و ما عيبه؟قال يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه،و من أحبنى لم يسكن إلى شيء و روي أن عابدا عبد اللّٰه تعالى في غيضة دهرا طويلا،فنظر إلى صائر و قد عشش في شجرة يأوى إليها،و يصفر عندها،فقال لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة،فكنت آنس