إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - القول
(يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ [١]) و من بقي مستمرا على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه،بل يترك المحب هوى نفسه لهوى محبوبه.كما قيل.
أريد وصاله و يريد هجرى
فأترك ما أريد لما يريد
بل الحب إذا غلب فمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب،كما روي أن زليخا لما آمنت و تزوج بها يوسف عليه السلام،انفردت عنه و تخلت للعبادة،و انقطعت إلى اللّٰه تعالى،فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل،فإذا دعاها ليلا سوفت به إلى النهار،و قالت يا يوسف،إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه،فأما إذا عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه، و ما أريد به بدلا.حتى قال لها:إن اللّٰه جل ذكره أمرني بذلك،و أخبرني أنه مخرج منك ولدين،و جاعلهما نبيين فقالت أما إذا كان اللّٰه تعالى أمرك بذلك،و جعلني طريقا إليه، فطاعة لأمر اللّٰه تعالى.فعندها سكنت إليه فإذا من أحب اللّٰه لا يعصيه،و لذلك قال ابن المبارك فيه.
تعصى الإله و أنت تظهر حبه
هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
و في هذا المعنى قيل أيضا
و أترك ما أهوى لما قد هويته فأرضى بما ترضى و إن سخطت نفسي
و قال سهل رحمه اللّٰه تعالى.علامة الحب إيثاره على نفسك، و ليس كل من عمل بطاعة اللّٰه عز و جل صار حبيبا،و إنما الحبيب من اجتنب المناهي.و هو كما قال،لأن محبته اللّٰه تعالى سبب محبة اللّٰه له،كما قال تعالى (يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٢]) و إذا أحبه اللّٰه تولاه و نصره على أعدائه و إنما عدوه نفسه و شهواته،فلا يخذله اللّٰه و لا يكله إلى هواه و شهواته.و لذلك قال تعالى (وَ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِأَعْدٰائِكُمْ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ وَلِيًّا وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ نَصِيراً [٣]) فإن قلت:فالعصيان هل يضاد أهل المحبة؟ فأقول:إنه يضاد كمالها و لا يضاد أصلها. فكم من إنسان يحب نفسه،و هو مريض و يحب الصحة،و يأكل ما يضره،مع العلم بأنه يضره،و ذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه.
[١] الحشر:٨
[٢] المائدة:٥٤
[٣] النساء ٤٥